الصفحة 19 من 26

1)المعنى: التَّسْييق وأفق التلقي:

إذا كان المعنى غير معزول عن شروط إنتاجه [1] ، فإن القارئ سيعمد إلى استحضار سياقات إنتاج النص المتنوعة التي يحدس أنها تهيئ له أن يتماهى مع استراتيجية النص، وسُنَنِ (شفرات) تأليفه، وأنساق استقباله الضِّمنِيّة. وهي كلها تعزى إلى ما يسمى المُؤلِّف الضِّمنِيّ، أي أن القارئ، في خلال قراءته وسعيه إلى الإيفاء بشروط القارئ النموذجي- كما يسميه إيكو [2] - التي يتضمنها العمل، يحاول أن يضم وعيه إلى وعي الآخر، الذي هو الذات المُسْتَكِنَّة في هذا العمل [3] .

وإذا كانت بنية النص اللغوية وأنساقها الأسلوبية الضابطة لاستقباله، ثابتة لا تتغير، فإن سُنَن استقباله- وكذا مضماره اللغوي- ستختلف باختلاف متلقيه، واختلاف زمان تلقيه [4] ؛ ذلك أن البون الزماني يفضي إلى بون (أو تَناءٍ) ثقافي يباعد بين أعراف التأليف وأعراف التلقي، فيتحول التنائي نفسه إلى إنتاجية [5] .

ويَتَرَتَّب على هذه الإنتاجية أن السياقات التي يستحضرها قارئ معين ستختلف عن السياقات التي يستحضرها سواه من القراء؛ وذلك لاختلاف أفاقهم. وأفق القارئ إنما هو جماع ثقافته وتصوره لشعرية الشِّعْر، ومنهجه في القراءة والتأويل، وما إلى ذلك مما يتعلق بهذا الأفق. فالنص الشِّعْري -كما يرى (لوتمان Youri Lotman) - ذو طاقة إعلامية كثيفة، تقتضي الوعي بمنابع الدلالة الثقافية للشعر [6] ، وهي تختلف باختلاف القراء وتباين قدراتهم على الفهم.

وينكشف النظر فيما أتينا عليه، قبل، من ملامح منهج الشروح، عن منحيين رئيسين في تسييق النص:

-أما الأول فالغرض والمناسبة وما يتعلق بهما من وجوه التلقي وآفاقه.

-وأما الثاني فالعلامة والمعنى والسَّنَن.

· التسييق: الغرض والمناسبة:

في خلال الفعل القرائي ينحو الفهم نحو الوحدة القصدية للخطاب، ومحاولة الإمساك بالمعنى الكلي للنص [7] ؛ أو نحو ما وصفه (دايك Teun A. van Dijk) بـ"البنية الدلالية الكبرى"و"البنية الدلالية العليا" [8] أو ما سماه إيكو"مدار النص Topic" [9] . أما النقاد العرب القدماء فشاع في تآليفهم اصطلاح"الغرض"للتعبير عن وحدة القصد. ومن أجل ذلك يعمد الصَّيْرَفِيّ إلى استحضار ما وسعه من الروايات المختلفة؛ للوقوف على غرض القصيدة ومناسبتها وأسباب نظمها، من مظانها الرئيسة، في سبيل الوصول إلى قدر أكبر من الثقة في تحقيق معنى النص. من ذلك ما عرض له فيما يتعلق بقصة نظم دالية عمرو بن قَمِيئة، ومطلعها [10] :

(1) موتشيلي، أليكس، وكوربلان، جان أنطوان، وفيرنانديز، فاليري،"المعنى والتسييق والسيرورات"، مجلة علامات (المغربية) ، ترجمة: محمد يشوتي، ع 21، 2004، ص 53.

(3) انظر: بوليه، جورج، النقد والتجربة الداخلية، في ضمن: تومبكنز، جين ب. (محرر) ، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم، المجلس الأعلى للثقافة، د. ط، القاهرة، 1999 م، ص 104، 109.

(4) انظر: ريفاتير، ميكل، معايير لتحليل الأسلوب، في ضمن: اتجاهات البحث الأسلوبي، ترجمة: شكري محمد عياد، ط 1، دار العلوم، الرياض، 1985 م،

ص 130 - 131.

(5) انظر: ريكور، بول، نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط 1، الدار البيضاء، بيروت، 2003 م، ص 141.

(6) لوتمان، يوري، تحليل النص الشعري، ترجمة: محمد فتوح أحمد، دار المعارف، القاهرة، 1995، ص 57.

(7) ريكور، نظرية التأويل، ص 120، 121.

(8) دايك، تون. أ، فان: علم النص: مدخل متداخل الاختصاصات، ترجمة: سعيد حسن بحيري، دار القاهرة، ط 2، القاهرة، 2005 م، ص 208.

(9) انظر: إيكو، القارئ في الحكاية، ص 24، 112 - 126؛ و 24. Eco, The role of the reader. P.

(10) عمرو بن قميئة، ديوانه، ص 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت