يَفترضَ المُؤلِّف أنّ مجموعة السُّنَن
التي يَعتمدُ عليها في التأليف هي نفسها التي يَتَساهَمُها مع قارئِه المحتملِ (أو القارئ النموذجي) ، وهو يَحدس أن القارئ المحتمل قادر- على سبيل الافتراض- على التَعَامُل تأويليًّا مع العباراتِ بطريقته هو في التعامل معها إنتاجيًّا (توليديًّا) خلال تَخَلُّق النص [1] . وباعتبار ذلك فإن إستراتيجية القراءة ترمي إلى جلاء الاستراتيجيات والسُّنَن التأليفية الضِّمنِيّة، وحل التوترات بين علامات النص (= كلماته) [2] ؛ لتحقيق ترابطه وبناء معناه ووحدة خطابه القصدية. ويقتضي ذلك رد العلامات إلى سياقاتها المختلفة وعلاقاتها المتنوعة. ولا يكون ذلك في القراءة على الجملة، بل يحتاج الأمر إلى معاودة النظر في النص مرة في إثر أخرى [3] .
والوحدة القصدية (أو المدار) هي ما يحكم عمل القارئ فيما يستجلبه من السياقات، وفيما يُفَجِّرُه"blow up"من الخصائص الدلالية للألفاظ والوحدات المعجمية، وما يُخَدِّرُه"narcotize"منها [4] ، وكذا فيما يفجره أو يخدره من الدلالات الإيحائية للكلمات. ويفضي ذلك إلى منحيين رئيسين في تَسْييق العلامة (الكلمة) : أما الأول فيتعلق بالسَّنَن اللساني، وأما الثاني فيتعلق بالسَّنَن غير اللساني. وهما ما عبّر عنهما الجاحظ بـ"دلالة اللفظ"و"دلالة غير اللفظ" [5] ، وعبر عنهما عبد القاهر الجرجاني بدلالة اللفظ على معنى، ودلالة المعنى على معنى. وما يتوخاه هذا المبحث هو الكشف عن هذين المنحيين في شروح الصَّيْرَفِيّ.
إن رد العلامة (الكلمة) إلى سَنَنِها اللساني يعني أن معناها يُستدل عليه بدلالة اللفظ أو نطق اللسان حسب، وهذا يقتضي النظرَ إليها على أنها تتألف من وجهين: الأول هو الدال، وهو الصّورةُ الحسّيّةُ السّمعيّةُ، أي ما يَسمعُه المتلقّي؛ والثّاني هو المدلولُ وهو الصّورةُ الذّهنيّةُ التي تَستدعيها الصّورةُ السّمعيّةُ إلى الذّهنِ [6] . وقد ينظر إليها على أنها تتألف من دال ومدلول ومرجع (أو مشار إليه) ، والمقصود بالمرجع أو المشار إليه أن يكون للمدلول وجود في الواقع الخارجي [7] .
وعلى ما تقدم، فإن معنى العلامة اللسانية (في التَّسنين اللساني) يتعلق بتسمية الأشياء والأفكار، وقد يكون تصورًا ذهنيًّا تجريديًّا، وقد يكون معنى مرجعيًّا (إحاليًّا) . ويندرج فيما سماه عبد القاهر الجرجاني"التفسير"وهو المفهوم من ظاهر اللفظ"وفي التفسير دلالة لفظ على معنى" [8] ، وذلك عندما يكون الكلام على الحقيقة، أو عندما"يدلُّكَ اللفظُ على معناه الذي يقتضيه موضوعُه في اللغة" [9] . وحاصل دلالات الألفاظ هي المعاني الأُوَل [10] ، أي المعاني المباشرة التي يتمثَّلها
(1) انظر: إيسر، فولفجانج، فعل القراءة، ص 95.
(2) انظر: المرجع السابق، ص 130.
(3) انظر في أطوار القراءة على سبيل المثال ما عرض له: الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد (ت 471 ه/1078 م) ، أسرار البلاغة، تحقيق: محمد محمود شاكر، دار المدني، ط 1، جدة، 1991 م، ص 160 - 161؛ وريفاتير، مايكل، دلائليات الشعر، ترجمة: محمد معتصم، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، د. ط، الرباط، 1997 م، ص 11 - 12.
(4) انظر: Eco, The role of the reader, p 27.
(5) انظر: الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن
بحر الجاحظ (ت 255 ه/869 م) ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، دار الفكر، د. ط،
د. ت، بيروت، ج 1، ص 76.
(6) انظر: دي سوسير، فردينان، علم اللغة العام، ترجمة: يوئيل يوسف عزيز، دار آفاق عربية، 1985 م، ص 84.
(7) انظر: أزولد و تزيفان، الدلالة والمرجع: دراسة معجمية، في ضمن: الدلالة والمرجع في الفكر اللساني الحديث، ترجمه وعلق عليه: عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، المغرب، د. ط، بيروت، 2000 م، ص 26.
(8) الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد (ت 471 ه/1078 م) ، دلائل الإعجاز، تحقيق: محمود محمد شاكر، ط 3، مطبعة المدني، القاهرة، دار المدني، جدة، 1992 م، ص 445.
(9) المصدر السابق، ص 262.
(10) انظر: المصدر نفسه، ص 263 - 264.