الفعليةِ متعلِّقةٍ بمسائلِ التاريخ والجنس الأدبي [1] .
ويشترط بعض نقاد استجابة القارئ، على من يتصدى لفعل القراءة، توافر جملة من شروط الأهلية، منها ما ذكره (فش Stanley Fish) من صفات ما سماه"القارئ الخبير"، وهي أن يكون متمكنًا من اللغة التي بني بها النص، وذا معرفة دلالية بالمفردات المعجمية وباحتمالات المصاحبة اللفظية وبالعبارات الاصطلاحية، وذا مقدرة أدبية تمكنه من استبطان خصائص الخطابات الأدبية، بما ينطوي عليه ذلك من معرفة بالأجناس الأدبية وبالوجوه البلاغية، كالتشبيهات والاستعارات [2] . ولعل هذه الصفات أن تجعل القارئ الذي يحوزها قادرًا على تَمَلُّك التجربة التي يرغب المُؤلِّف -وهو هنا الشاعر- في تقديمها [3] .
ومن ذلك ما ألمح إليه (أمبرتو إيكو Umberto Eco) في كلامه على القارئ النموذجي الذي تَخَيَّلَ المُؤلِّف (الشاعر) صورته في النص. والقارئ النموذجي إنْ هو إلا جِماع شروط النجاح التي وُضِعت نصيًّا والتي ينبغي أن تُستوفَى في سبيل أن يصير النص إلى تَحْيِينِ (تفعيل) مضمونِه الكامن [4] . ويقتضي ذلك أن ينماز المتلقي الصريح بصفات معينة يَتَهيَّأُ له معها أن يحاول التوافق مع صورة القارئ النموذجي.
بعد فراغ الصَّيْرَفِيّ من عقد الميثاق القرائي، بين مُقَدّمات شروحه ومتلقيها، أخذ في شَرْح نصوص الدواوين شروحًا مستقصية، من وجوه مختلفة. ومتون الشروح شأنها شأن المُقَدّمات، من حيث إن كلًا منهما يعد من"النصوص الْموازية"أو"مُرْفَقات النص"التي تتيح آفاقَ انتظارٍ وتلقٍ وتأويلٍ متعددةً [5] ، وتضطلع بوظيفة تنبيهية؛ إذ يُقدِّم سلسلة من العلامات والْمُوجِّهات التي تسمح بإقامة فعل الإبلاغ وتوجيه التلقي [6] . ويَتَرَتَّب على ذلك أن النص الشِّعْري يدخل في علاقة مع نص شارح؛ فيفقد استقلاله ويتحول إلى متن، ويبدأ فعل القراءة في صورة حوار بين متون النصوص ومتون الشروح [7] ، فالطرفان كلاهما يؤسسان نصية النص، أي كيفية قراءته [8] ، من طريق الربط بين ما هو داخله وما هو خارجه.
متون الشروح:
يقتضي اكتناه مناحي منطق الاستجابة، في شروح الصَّيْرَفِيّ، أن نقف على الملامح العامة التي تَمِيزُ منهج الشرح. وقد انكشف النظر في الشروح، على الجملة، عن الملامح الآتية [9] :
1.أنه يعرض، في الأكثر، لسبب نظم القصيدة
(1) انظر: فش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 66.
(2) انظر: المرجع السابق، ص 91.
(3) انظر: المرجع نفسه، ص 241.
(4) انظر: إيكو، أمبرتو، القارئ في الحكاية، ترجمة: أنطوان أبو زيد، ط 1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 1996، ص 77.
(5) انظر: جينيت، جيرار،"من النص إلى العمل"، مجلة نوافذ، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ع 16، 2001 م، ص 124؛ وسحلول، حسن مصطفى، نظريات القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها، د. ط، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 63؛ وابن ياسر، عبد الواحد،"الخطاب المقدماتي"، مجلة علامات في النقد، النادي الأدبي الثقافي بجدة، م 12، ع 47، 2003، ص 626، 630؛ وميتران، هنري،"المقدمة وقوانينها"، مجلة البحرين الثقافية، ترجمة: وتقديم الحسن علاج، ع 40، 2004 م، ص 25.
(6) انظر: دي لنجو، أندريه،"في إنشائية الفواتح النصية"، مجلة نوافذ، ترجمة: سعاد بن إدريس نبيِّع، النادي الأدبي
الثقافي بجدة، ع 10، ص 27.
(7) انظر: سيزا قاسم، القارئ والنص: العلامة والدلالة، د. ط، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002 م، ص 139 - 140.
(8) انظر: سلفرمان، نصيات، ص 128.
(9) استقصاء الأمثلة الدالة في مبحث"مناحي بنية الاستجابة"أغنى عن استقصائها في هذا المبحث.