النصّ والقارئ، والمعنى هو حَدَث يقع بين الكلمات وعقل القارئ [1] ويخضع لسلطان من السَّنَن اللساني والسَّنَن الثقافي وسَنَن الجنس الأدبي، وما إلى ذلك من الأعراف والسياقات والأحوال المُعْتَبَرَة التي تُحْوِج إليها قراءة النص.
والمعنى، أيضًا، ذو طبيعة مزدوجة؛ لأنه مُحَصَّلُ التفاعل بين إلماحات النص وتأثيراته، من وجه، وفعل القارئ وفهمه، من وجه آخر [2] ، وهو عمل تجميعي ينهض القارئ بِتَقَرِّيهِ وبنائه، مِن طريق تَقَصِّيه لوجهة النظرِ الشاردةَ المتحركة التي تصاحب فعل القراءة في أجزاء النص المتعاقبة [3] ، محاولًا في خلال ذلك ملء الفراغات الدلالية التي تتضمنها البنية التخطيطية والتنظيمية للنص. وملءُ الفراغات يكون بفك سَنَن (code) النص ورموزه والتوفيق بين رؤاه المتعارضة. إنها حال مستمرة من البناء وإعادة البناء يعمل فيها الحافز النصي على مراوغة خيال القارئ وتنشيط عقله الواعي [4] ، وهذا يدل على أن المعاني التي ينتهي إليها القارئ ليست معاني يقينية، وإنما هي معان تجريبية، أي أنها رهن بتجربة القراءة [5] .
وإذا كان إنتاج المعنى على الصفة التي أتيت عليها فيما تقدم، فإن الباحث، في خلال وصفه بنية استجابة القارئ، يَسَعُهُ أن يتعقب الانبثاق التدريجي للمعنى من طريق التفاعل بين النص - من حيث كونه سلسلة متوالية من الكلمات - واستجابةِ القارئ المتصاعدة المتتابعة وعلاقتِه بالكلمات وهي تتعاقب واحدة في إثر أخرى، وما يفعله في سبيل ضبط تدفقها الزمني بما أوتيه من قدرات لغوية ودلالية [6] . وينبغي للباحث حينئذ أن يعنى بوصف الأفعال التي تتضمنها الاستجابة [7] ، وأن يحتال للكشف عن الاستراتيجيات الإدراكية التي يَمْتَثِلُها القارئ في تجربة القراءة، من أجل الفهم وإنتاج المعنى [8] .
لقد صرف المقترب الظاهراتي عنايته إلى موضع اللقاء بين النص والقارئ، وما ينطوي عليه ذلك من الأعمال الذهنية التي يستمدها القارئ من النص أو يفرضها عليه. ففعل القراءة إنما هو فاعلية لتكوين المعنى تتألف من جملة من التدابير [9] ، ووصفُها يرمي، على حد وصف (كلر Jonathan Culler) ، إلى"دراسة شرائط المعنى"وتفسير الاعتبارات والأحوال التي تمخضت عنها أحكام القارئ وحدوسه وتأويلاته للنص، والبحث في كيفية تحقيق الأعمال الأدبية معناها. والمقصودُ بشروط المعنى: المواضعاتُ المُحْتَذاة في تجربة القراءة، بما هي تجربة فردية تَنْماز مما سواها [10] . ولا بد للدارس أن يَعْتَبِر ما جرى في عقل القارئ من مناحي النشاط الذهني التي استثارها توالي الكلمات، وما اعتوره من عواملَ متراكمةٍ ضاغطةٍ سابقةٍ لتجربةِ القراءةِ
(1) انظر: إيسر: فولفجانج، فعل القراءة: نظرية في الاستجابة الجمالية، ترجمة: عبد الوهاب علوب، د. ط، المجلس الأعلى للثقافة، 2000 م، ص 123، 131؛ وفش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 64، 67.
(2) انظر: إيسر، فعل القراءة، ص 15، 28.
(3) انظر: المرجع السابق، ص 116، 125.
(4) انظر: المرجع نفسه، ص 122 - 123.
(5) انظر: فش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 229.
(6) انظر: المرجع السابق، ص 41، 88 - 89.
(7) انظر: آيزر، فولفغانغ، عملية القراءة: مقترب ظاهراتي، في ضمن: تومبكنز، جين ب. (محرر) ، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم، المجلس الأعلى للثقافة، د. ط، القاهرة، 1999 م، ص 113؛ وكلر، مقدمات لنظرية في القراءة، ص 65.
(8) انظر: فش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 241، 242، 262؛ وتومبكنز،
القارئ في التاريخ، ص 354.
(9) انظر: سليمان، تنوعات النقد الموجه إلى الجمهور، ص 37 - 38.
(10) انظر: كلر، مقدمات لنظرية في القراءة، ص 69.