الصفحة 15 من 26

يثيرها والتجربة التي يولدها، وإلى مَبْلَغ تعالقهما وتداخلهما وتفاعلهما [1] ؛ ذلك أن النص الأدبي بنية مفتوحة غير قابلة للحسم، وهو"قصد يتحقق داخل القصد الفَعّال للقارئ، بل يَدخل ضمنه. تحدث حالة تشبه الغيبوبة للقارئ الذي ينغمس في العمل الأدبي" [2] . ويَتَرَتَّب على هذا أن النص الأدبي هو مُلْتَقى وعي الكاتب ووعي القارئ [3] ، أعني الكاتب والقارئ الصريحين، فضلًا عن كونه مُلْتَقى القارئ والكاتب الضِّمنِيّين.

وإذا كان النص بنية مفتوحة غير قابلة للحسم، فإن نصيته تَتَقَسَّمُها مناح متعددة وروافد متنوعة؛ إذ إنه يَتَرَجَّح بين: المرئي/ وغير المرئي، والداخل/ والخارج، والحاضر/ والغائب، والنص/ والسياق [4] . وهذه المناحي والروافد هي عوامل فاعلة في الاتصال بين النص والقارئ، وفي وقوع استجابة معينة، ذات ملامح مائزة، أي أنها تجعل الاستجابة، على ما ذهب إليه (بليتش David Bleich) ، إعادةَ ترميزٍ، وفعلًا إدراكيًا ينقل التجربة الحسية إلى الوعي فتصبح جزءًا من الشعور بالذات [5] . وباعتبار ذلك فإن هذه الاستجابة ستكون ذات منطق مخصوص وبنية مخصوصة؛ لِلَّذي ينطوي عليه القارئ من سُنَن وأنظمة رمزية وثقافية ومعارف متنوعة تَمِيزُهُ من غيره وتُوَجِّهُ سيرورة قراءته. وستكون مهمة الدارس الكشف عن بنية

استجابة القارئ وملامحها المائزة [6] .

ورفضُ نقادِ استجابةِ القارئِ النظرَ إلى المعنى على أنه كامن في النص حسب، ورفضهم اعتدادَ النص موضوعًا قارًّا، كل ذلك أفضى إلى تعزيز فاعلية القارئ في خلق المعنى. وكذا أفضى رفضُهم التمييزَ بين النص وما يفعله إلى نتيجة مُحَصَّلُها أن النص هو ما يفعله [7] . وعلى هذا فإن تجربة القراءة تشمل ما يفعله القارئ في النص وما يفعله النص في القارئ [8] .

عندما نعالج النص الأدبي من حيث هو موضوع أو فعل مكتسِب شكلًا ومعنى [9] ، أو من حيث هو شيء يَتَّخِذ شكلَه في الأذهان [10] ، وعندما ننظر إليه على أنه موضوع للتأويل، فإن ذلك يقتضي أن تُفْهَم الاستجابةُ بأنها ليست فعلًا ومسلكًا للوصول إلى المعنى حَسب، بل هي المعنى نفسه؛ ذلك أنها ليست عملًا أجوف، لكنها مَأْلَفُ جملةٍ من أفعال النشاط التفسيري الدؤوب، من صوغ الافتراضات وتنقيحها، وإصدار الأحكام والرجوع عنها، وبَسْط الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها. ووصف هذا النشاط التفسيري سيكون وصفًا لحقل متحرك من الشواغل، حقل قائم برأسه لا يفضي ضرورةً إلى المعنى، ولكنه يعمل على تكوين المعنى، وهو على الدوام مشغول بتكوين نفسه [11] .

فالقراءة، إذن، تجربة مشتركة يَتَساهَمُها

(1) انظر: فش، ستانلي، هل يوجد نص في هذا الفصل؟ سلطة الجماعات المُفَسِّرة، ترجمة: أحمد الشيمي، المجلس الأعلى للثقافة، ط 1، القاهرة، 2004 م، ص 96.

(2) راي، وليم، المعنى الأدبي: من الظاهراتية إلى التفكيكية، ترجمة: يوئيل يوسف عزيز، دار المأمون، ط 1، بغداد، 1987 م، ص 20.

(3) المرجع السابق، ص 25.

(4) انظر: سلفرمان، ج. هيو، نصيات: بين

الهرمنيوطيقا والتفكييكية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط 1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، 2002 م، ص 134.

(5) بليتش، ديفيد، الافتراضات الإبستيمولوجية في دراسة الاستجابة، في ضمن: تومبكنز، جين ب. (محرر) ، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم، د. ط، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999 م، ص 239.

(6) انظر: فش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 230.

(7) انظر: تومبكنز، جين. ب.، القارئ في التاريخ: تغير شكل الاستجابة الأدبية، في ضمن: تومبكنز، جين ب. (محرر) ، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم، د. ط، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999 م، ص 378.

(8) انظر: فش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 40 - 41.

(9) انظر: كلر، جوناثان، مقدمات لنظرية في القراءة، في ضمن: القارئ في النص: مقالات في الجمهور والتأويل، تحرير سليمان، سوزان روبين و كروسمان، إنجي، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط 1، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2007 م، ص 66.

(10) انظر: سليمان، سوزان روبين، تنوعات

النقد الموجه إلى الجمهور، في ضمن: القارئ في النص: مقالات في الجمهور والتأويل، تحرير سليمان، سوزان روبين، وكروسمان، إنجي، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم صالح، ط 1، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2007 م، ص 43.

(11) انظر: فش، هل يوجد نص في هذا الفصل؟، ص 239؛ و تومبكنز، القارئ في التاريخ، ص 346.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت