الصفحة 22 من 26

وكانت جميلة عاقلة- حتى ظُنّ أنه مات، فأكرهها أهلها على الزواج من رجل من قومها، فلما كانت ليلة زفافها قدم الْمُتَلَمِّس من سفره فعلم بأمر زواجها. ثم إنه سمع زوجته تبكي وتنشد:

أَيا لَيْتَ شِعْرِي وَالْحَوادِثُ جَمَّةٌ

بِأَيِّ بِلادٍ أَنْتَ يا مُتَلَمِّسُ

فأجابها الْمُتَلَمِّس: (البيت) [1] .

وهكذا، إذن، جَهِد الصَّيْرَفِيّ في إعادة بناء الأفق التاريخي الحقيقي للنص، حسب ظنه، وما يقترن بذلك من الغرض الذي ترمي إليه القصيدة، كالمديح والهجاء والفخر والغزل والعتاب والاعتذار، والتحريض، وما إلى ذلك [2] .

ويشكل الغرضُ المَدارَ الذي سيطلق الفهم الكلي للنص، وسيطلق فهم الأجزاء التي يتألف منها، وما ينبثق عن ذلك من مُسَلل المعاني، في ذهن الشارح وذهن قارئ أشعار الدواوين وشروحها. وعلى هذا"لا يعدو الغرض أن يكون سياقًا أو مقامًا وقرينة تطلق المسلل ثم لا تتحكم فيه" [3] ، أي أنه يساعد على بناء أفق للتلقي في ذهن القارئ.

لكن ربط الشارحِ القصيدةَ بما يَظَُنُّ أنه ماضيه التاريخي الحقيقي لا يعدو أن يكون وهمًا؛ لأن ذلك سيفضي إلى تشويه الرسالة التي تتضمنها القصيدة المشروحة؛ ولأن الشارح يستعمل، في تفسيره، كل ما يتألف منه أفقه الخاص من مفهومات وفروض خاصة سابقة [4] ، وهو ما ينفي صفة الموضوعية عن الماضي التاريخي الذي يستجلبه؛ ولأن النص الأدبي، بما يتضمنه من استراتيجيات خاصة، يبعث القارئ على الارتياب فيما يألفه من أعراف، أي أن ما يبدو أنه حقيقة تاريخية واقعية قارة سيستحيل إلى موطن من مواطن الشك في النص. وينتج عن ذلك نوعان من الإبهام: الأول بين النص والقارئ، والثاني بين النص والواقع، وهذا مما يطلق فعل التدليل والتأويل [5] .

· التَّسييق: المعنى والعلامة وسََنَن التَّلَقِّي:

إن الإستراتيجيات النصية الضِّمنِيّة هي التي تنظم الصلات بين عناصر رصيد النص -هذا الرصيد المُؤلِّف من أنساق اجتماعية مألوفة وأعراف أدبية- وهي التي تنظم احتمالات فهم ما يشتمل عليه الرصيد من الإشارات [6] ، وذلك من طريق بناء التوقعات ثم هدمها ونسخها، وفي خلال ذلك يَتَرَجَّح النص بين منازل اليقين ومنازل الشك، أو بين التصريح والإلماح، أو بين ما سماه بعض النقاد مواضع"التحديد"ومواضع الـ"لا تحديد"التي يفضي تعاقبها إلى نشوء فجوات وفراغات في النص تحتاج إلى ملء، والقراء هم الذين يضطلعون بملئها، كلٌّ بطريقته المخصوصة [7] .

(1) المصدر السابق، ص 292.

(2) انظر: المصدر نفسه، حواشي الصفحات: 42، 55، 107، 131، 236، 282، 311؛ والمثقب العبدي، ديوانه، حواشي الصفحتين: 58، 124.

(3) العمري، محمد،"القارئ وإنتاج المعنى في النقد القديم: حدود التأويل البلاغي"، مجلة فكر ونقد، المغرب، السنة الثانية، ع 17، 1999 م، ص 50.

(4) انظر: ياوس، هانس روبرت،"علم التأويل الأدبي حدوده ومهماته"، مجلة العرب والفكر العالمي، ترجمة: بسام بركة، ع 3، 1988 م، ص 60. وريفاتير، ميشيل، وصف البنى الشعرية: مقتربان لقصيدة بودلير"القطط"، في ضمن: تومبكنز، جين ب. (محرر) ، نقد استجابة القارئ: من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية، ترجمة: حسن ناظم وعلي حاكم، المجلس الأعلى للثقافة، د. ط، القاهرة، 1999 م، ص 96.

(5) انظر: إيسر: فولفجانج، فعل القراءة، ص 72.

(6) انظر: Eco, The role of the reader, p 7.

(7) انظر: إيسر، فولفجانج، فعل القراءة، ص 174 - 176؛ وآيزر، فولفغانغ، عملية القراءة: مقترب ظاهراتي، ص 120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت