فقال: ليس للأقيشر بيتٌ نعرفه، فأنشده: إذا اعوججنَ قٌلنَ: صاحبْ قوّم ِ ... بالدوِّ أمثال السفين العُوّم ِ
فقال الأصمعيّ: ليست الرواية الصحيحة، وإنّما روايتنا: قلنَ: صاح ِ قوّم ِ) (71) ، ولا شك أنّ رواية الأصمعيّ هذه على خلاف مذهب الخليل في تجويز إسكان حرف الإعراب، و هي تبيّن أثر رواية الأصمعيّ في تقرير الأحكام النحويّة المخالفة لمذاهب النحويّين.
ومثل ذلك رواية النحويّين لبيت رؤبة (72) :
إنّي - وأسطارٍ سطِرْنَ سطرا - ... لَقائل ٌ يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرَا
فيخرج على جعل (نصرًا) منصوب على أنّه عطف بيان، ومنهم ذهب الى أنّ نصبه كأنّه استأنف النداء (73) ، وبعضهم ينشد: * يا نَصْرُ نَصْرُ نَصْرا* على
النداء (74) ، أو بجعل الثاني بدلا ً من الأول، ونصب الثاني على التبيين. فكأنّه قال: يانصرُ نصرا.
أما الأصمعيّ فقد رواه: (يا نَصْرُ نَصْرا نَصْرًا) ، وأنّه إنّما يريد: المصدر؛ أي انصرني نصرا (75) ، وهذه
الرواية أدّت به الى تخريج التركيب تخريجا مخالفا لتخريجات النحويّين على وفق روايته.
وعرف عن الأصمعيّ أنّه انفرد بمرويّات أخذها من البادية (76) ؛ لذلك بدا ذا تخريج مخالف لتخريجات النحويّين لبعض النصوص اللغويّّة اعتمادا ً على تلك الروايات.
يمكن للباحث أن يضع يده على جملة من آراء الأصمعيّ النحويّة في ضوء تخريجه النحويّ للنصوص اللغويّّة، ومن ذلك ما يراه الأصمعيّ في بيت النمر بن تولب: (77)
سقتهُ الرواعدُ من صيّف ٍ ... وإن ْ من خريفٍٍ فلنْ يعدما
قال الأصمعيّ: (إن ها هنا بمعنى الجزاء، أراد وإن سقته من خريف فلن يعدم الري، وبه أخذ المبرد وقال: لأن إمّا تكون مكررة، وهي ها هنا غير مكررة) (78) وقد خالفه في هذا الرأي سيبويه وطائفة من النحاة، إذ رأوا أنّ البيت محمول على إرادة (إمّا) ، وطرحت (ما) من (إما) ضرورة، وبقيت (إنْ) دالة عليها (79) ، في حين ذهب ابن يعيش (ت 643 هـ) الى موافقة الأصمعيّ إذ ْ قال: (لا يجوز طرح(ما) من (إمّا) إلاّفي ضرورة، وقد حمل ذلك أبو العباس المبرد على الغلط، فقال: (ما لا يجوز إلغاؤها إلاّ في غاية من الضرورة. ولا يجوز أن يحمل الكلام على الضرورة ما وجد عنه مندوحة، مع أنّ(إمّا) يلزمها أن تكو ن مكررة، وههنا جاءت مرة واحدة) (80) ، ثمّ قال وصحّة محمله على ما ذهب إليه الأصمعيّ أنها (إن) الجزائية، والمراد: أو إن سقته من خريف، فلن يعدم الرّيّ َ، ولم يحتج الى ذكر ... (سقته) مرّة ثانية لقوله: (سقته الرواعد من صيّف) (81) ، والواقع أن ما ذهب إليه الأصمعيّ دليل على أنه ذو أسلوب وصفي يحاول جهد طاقته ألاّ يركن الى التقدير، أو التعسّف في تصور بنية عميقة للتركيب، من أجل الدفاع عن الحكم النحويّ، فضلا ً عن أنّ بعض النحاة يذهب الى أن ّ (إمّا) بسيطة غير مركبة؛ لأن الأصل البساطة (82) ، وهناك دليل آخر جدير بالذكر، إذ يقرر أبوعلي الفارسيّ وابن جني أن حذف الحروف ليس بالقياس، وذلك أن الحروف إنّما دخلت الكلام لضرب من الاختصار فحذفها يعد اختصارا لها، واختصار المختصر إجحاف به (83) ،وذهب الدماميني الى موافقة الأصمعيّ معتمدا النظر الى واقع ما أراده الشاعر إذ قال:(لانسلم أن المقصود وصف
هذا الوعل بالرّيّ على كل حال، وإنمّا الغرض وصف حاله بحسب الواقع، فأخبر أوّلا بما وقع من سقي سحائب الصيف له، وذلك مقتض ٍ لريه منها ثمّ أخبر بأن سحائب الخريف إن سقته بعد ذلك حصل له الري المستمر) (84) ، وذهب أبو عبيدة الى أن (إن) في البيت زائدة، والتقدير: من صيّف ٍٍ ومن خريف (85) ، وهذا
الرأي يعضد معنى وصف ذلك الوعل بالريّ على كل حال، لكن لا يعضده واقع اللغة في زيادة (إن) لا في السماع، ولافي القياس من حيث (لا يجوز حذف الحروف ولا زيادتها) (86) .كما أنّ وجود الفاء في (فلن) لايسمح بزيادة (?نْ) ؛ لأنّ وجودها يعني القطع بجزاء (?نْ) .
? ومن آرائه أنه ذهب الى عدم جواز نصب كأن للجزأين إذ خطأ أبا نخيلة في قوله (87) :
كأنّ إذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
فقد ورد في مغني اللبيب أن أبا نخيلة أنشد هذا البيت في حضرة الرشيد فلحّنه أبو عمرو والأصمعيّ (88) ،وخرّج النحويّون ذلك على أكثر من وجه، فقيل: إنّما الرواية (تخال أذنيه) ، وقيل: الرواية (قادمتا أو قلما محرّفا) بألفات غير منونة، على أنّ الأسماء مثنّاة، وحذفت النون للضرورة (89) . وزعم الفراء أنّ ذلك لايجوز إلاّ في (ليت) (90) .
ويلاحظ أن الأصمعيّ خطّأ الشاعر؛ لأنه يعلم أن السماع لم يرد بذلك، كما أنه لا يحبّذ التمحّل في تأويل البيت من أجل أن يتّفق مع القاعدة النحويّة؛ لذلك رماه بالخطأ.
? وذهب الى عدم جواز عطف (البينيّة) بالفاء، ويظهر ذلك من خلال إنكاره (91) رواية بيت امرئ القيس: (0000 000000 ... 0 000 بينَ الدخول ِ فحومل ِ) (92) ، إذ رواه الأصمعيّ: (بين الدخول و حومل) . وقال: لا يقال: رأيتك بين زيدٍ فعمر ٍ (93) . وعاب روايته بالفاء (94) ، وحجته أنّ