وكان شديد التأ لّه، ولا يفسّر شيئا من القرآن ولا شيئا
من اللغة له نظير أو اشتقاق في القرآن وكذلك في الحديث تحرّجا، وكان لايفسّر شعرا فيه هجاء، ولم يرفع من الحديث الاّ أحاديث يسيره، وكان صدوقا في
كل شيء (8) ، ويذكر أبو الطيب أنّه كان لا يفتي الاّ فيما أجمع عليه العلماء، ويقف عمّا يتفردون به عنه ولا يجوّز الاّ أفصح اللغات، ويلج? في دفع ما سواه (9) ، وقد وردت في نزهة الآلبّاء (10) أقوال لبعض العلماء تدل على كرم شمائله ونبل أخلاقه.
أمّا في ما يخصّ الحديث عن قوة حفظه فذكرت كتب التراجم كثيرا من الأخبار التي تشير إلى هذه الصفة، فقد كان الأصمعيّ يقول: (أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة) (11) ، وروي عن ابن الأعرابي أنّه قال: (شهدت الأصمعيّ وقد أنشد نحوا من مائتي بيت ما فيها بيت عرفناه) (12) . ويقول أبو الطيب اللغويّّ في حديثه عن هذا الجانب: (فأمّا حضور حفظه وذكاؤه فانّه كان في ذلك أعجوبة(13) ، وذكر أبو الطيب أيضا أنّ الرياشي يقول سمعت الأصمعيّ يقول: أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة، فقال له رجل: منها البيت و البيتان، فقال: ومنها المائة والمائتان (14) ، وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: عجائب الدنيا معروفة معدودة، منها الأصمعيّ (15) ، إشارة إلى حضور حفظه، وكان الرشيد يسمّيه شيطان الشعر (16) ؛
لغزارة محفوظه من الشعر، وهناك الكثير من الاخبار والنوادر تشير الى قوة حفظه وحضور ذهنه (17) ، وقد (قيل للأصمعي: كيف حفظت ونسي أصحابك؟ قال: درست وتركوا) (18) ، وهذه إشارة إلى مثابرته و ملازمته الدرس من جهة، وتعليل لعدم نسيانه محفوظه من جهة ثانية.
قرأ الأصمعيّ على كبار علماء عصره، ومن شيوخه الذين ذكرتهم كتب التراجم، عبد الله بن عون، وحمّاد بن سلَمة، وحمّاد بن زيد، وأبو عمرو، ونافع (19) ، والخليل بن احمد (20) ، وشعبة بن الحجاج، ومِسْعَر بن كِدام (21) ، والأخفش الأكبر (22) ، ويونس بن حبيب (23) ،وخلف بن حيّان الاحمر تعلّم منه نقد الشعر (24) ، وغيرهم (25) .
امّا تلامذته فقد أخذ عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو عبيد القاسم بن سلاّم، وأبو حاتم السجستانيّ، وأبو الفضل الرياشي، وأحمد بن محمد اليزيدي، ونصر بن علي الجهضميّ، وغيرهم (26) .
الأصمعيّ في ميزان العلماء:
شخصيّة مثل شخصيّة الأصمعيّ لابد أن يكثر الحديث عنها؛ لان صاحبها قد ترك آثارا واضحة في المجالات المعرفية المتنوعة التي برع فيها، وتمكّن
من سبر أغوارها، وملاحظة دقائقها، فقد ورد عن الأخفش (ت 215 هـ) أنه قال: ما رأينا أحدا أعلم
بالشعر من الأصمعيّ وخلف، والأصمعيّ كان أعلم؛ لانه كان نحويا (27) . وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (ت 285 هـ) وهو يوازن بينه وبين معاصريه من العلماء: (كان أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعيّ في النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعيّ بالأنساب والأيام والأخبار، وكان للأصمعي يد غرّاء في اللغة لايُعرف فيها مثله، وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النحو) (28) ،وعقد ابن جني (ت 293 هـ) في كتابه الخصائص بابا تحت عنوان (باب في صدق النَقَلَة، وثقة الرواة والحَمَلَة) وكان يُثني فيه على الأصمعيّ، ويدافع عنه بقوله: (وهذا الأصمعيّ ـ وهو صَنّاجة الرواة والنَقَلة، واليه محط ّالأعباء والثقلة، ومنه تجنّى الفِقَر والملح، وهو ريحانة كلّ مغتبق ومصطبَح ـ كانت مشيخة القرّاء وأماثلهم تحضره ـ وهو حَدَث ـ لأخذ قراءة نافع عنه .... ) (29) ،ولم يقتصر هذا الثناء على العلماء فحسب بل ان الشعراء أيضا كانت لهم آراء في الأصمعيّ، اذ نقل عن أبي نواس أنه قيل له: (قد أُشخص أبو عبيدة والأصمعيّ الى الرشيد. قال: أما أبو عبيدة فإنهم إنْ أمكنوه من سفره قرأ عليهم أخبار الأوّلين والآخرين، وأما الأصمعيّ فبلبل يطربهم بنغماته) (30) .
مصنّفاته:
نقل الينا الذين ترجموا للأصمعي جملة من آثاره العلمية، والناظر الى تراثه التأليفي يلاحظ أنّ جميع مؤلّفاته كانت ذات طابع لغوي، ولم ُيرَ من بينها مؤلَف في النحو، بل كانت في جملتها مصنفّات لغة، وشعر، ويمكن ذكرها على النحو الآتي: غريب القرآن، وخلق الإنسان، والأجناس، والأنواء، والهمز، والمقصور والممدود، والصفات، وخلق الفرس، والأبل، والخيل، والشاء، والميسر والقداح، والأمثال، وفعل وأفعل، والأشتقاق، وما اتّفق لفظه واختلف معناه، والفرق، والأخبية والبيوت، والوحوش، والأضداد، والألفاظ، والسلاح، واللغات، ومياه العرب، والنوادر، وأصول الكلام، والقلب والإبدال، وجزيرة العرب، ومعاني الشعر، والمصادر، والأراجيز، و النخلة، أو (النحلة) ،والنبات، ونوادرالأعراب (31) ،وغريب الحديث، والمذكر والمؤنث، والكلام الوحشي، والسرج واللجام والشوى والنعال والترس والنبال،