وعمل قطعة كبيرة من أشعار العرب ليست بالمرضية عند العلماء؛ لقلّة غريبها واختصار روايتها (32) ،وهي مطبوعة تحت عنوان (الأصمعيّات) ، وقد طبع من تراثه أيضا، كتاب (خلق ال?نسان) ، و (خلق ال?بل) ، و (الخيل) ،و (الشاء) ،و (الوحوش) ، و (الأضداد) ،و (القلب وال?بدال) ،
و (النبات) ،و (الدراسات) ، و (النخل والكرم) ، و (فحولة الشعراء) ، و?ليه يرجع الفضل في جمع دواوين معظم الشعراء العرب الّتي وصلت ?لينا (33) .
لم يتّفق مصنّفوكتب التراجم على تحديد سنة وفاة الأصمعيّ، فقد جاء في مراتب النحويّين ما نصّه: (عُُمّر نيّفا وتسعين سنة. وقال عبد الرحمن: مات عمّي في صفر سنة ست عشرة ومائتين، وله إحدى وتسعون سنة) (34) ، وذكرالسيرافي (ت 368 هـ) أن الأصمعيّ توفي في البصرة سنة ثلاث عشرة ومائتين (35) ،ثمّ قال: (ويُقال: مات الأصمعيّ في سنة سبع عشرة ومائتين، أو سنة ست عشرة والله أعلم وأحكم) (36) . وذكر أبو البركات الأنباري (ت 577 هـ) أنّه توفّي سنة ثلاث عشرة ومائتين أو سبع عشرة ومائتين (37) . وجاء في إنباه الرواة أنّه توفّي سنة عشر ومائتين (38) ،وذكر صاحب البغية أنّه توفي سنة ست عشرةوقيل خمس عشرةـ ومائتين عن ثمان وثمانين سنة (39) ،ورواية أبي الطيّب اللغويّّ هي الأرجح؛ لأن كتابه هو الأقدم من بين سائر الكتب التي ترجمت للأصمعي، كما أنّه لم يذكر أكثرمن تاريخ لوفاته كما فعل من جاء بعده، إذ إنّ هذه الكثرة دليل على عدم التأكّد من صحّة التقرير، فضلا عن أنّ الرواية على لسان ابن أخيه وتلميذه عبد الرحمن بن عبد الله؛ إذ لم يكتفِ بذكر سنة الوفاة، بل انفردت الرواية بذكر الشهر أيضا وهذا دليل على دقّة الرواية.
الأصمعيّ النحويّ:
قد لا يكون الحديث عن الأصمعيّ النحويّ سهلا كغيره من الأحاديث لو قيّض للباحث الحديث عن جانب آخر اشتملت عليه شخصيّة الأصمعيّ العلمية، كروايته للشعرأو علمه باللغة مثلا، فالأصمعيّ قامة فارعة في هذا التخصص الوصفي، لكن من الطبيعي ان يتّسم الحديث بشيء من الصعوبة، إذا كان الأمر له علاقة بعلم يعتمد على الوصف والمعيار معا في الاستدلال، فالأصمعيّ راوية، والرواية علم نقلي. وعلى الرغم من أنّ الأصمعيّ ألّف كثيرا في اللغة، ولم يؤلّف شيئا في النحو كما مرّ، لكننا نجد كتب التراجم تنصّ على صلته بعلم النحو، بل كانت ترجّح أعلميّته بالنحو على بعض معاصريه، كما ورد في أخبار النحويّين البصريّين إذ كان المبرّد يفضّل الأصمعيّ على أبي عبيدة في هذا العلم ويقول: (كان الأصمعيّ أعلم منه بالنحو) (40) . أما أبو البركات الأنباري فعندما يبدأ الحديث عن الأصمعيّ يقول: (كان صاحب النحو واللغة والغريب والأخبار والملح) (41) ،كما يقول القفطيّ: (صاحب اللغة والنحو والغريب والأخبار والملح) (42) ،وهذا إقرار منهم بأعلميّة الأصمعيّ بالنحو وغيره، إذ كان ذا شخصيّة علميّة موسوعيّة. وقد كانت له مناظرات نحويّة مع
نحويين مبرزين أمثال سيبويه (43) ، والكسائيّ (44) ، والجرمي (45) ، والمازني (46) ، وأبي عمروالشيباني الكوفيّ والفرّاء (47) ، و كانت له صحبة مع أستاذه الخليل، فقدكان كلا الرجلين يفيد من الآخر في الجانب النحويّ يقول الأصمعيّ: (سألت الخليل عن هذا البيت:
اليوم أعلمُ ما يجييء به ... ومضى بفصل قضائه أمسِ ِ
لِمَ خَفض (أمس ِ) ؟ فقال: هو مبنيّ كحذام ِ وقَطام ِ؛ لأنّه لم يتمكّن تمكّن الأسماء) (48) . وكان الخليل يسأل الأصمعيّ في قضايا لغوية غاية الخليل من ذلك توظيفها في الدرس النحويّ، ومن جملة هذه المسائل ... (مصطلح الترخيم) الذي يبدو أن الخليل قد أخذه عن الأصمعيّ، إذ ورد في شرح عيون الإعراب: (أن الأصمعيّ قال: أخذ عني الخليل الترخيم، وذلك أنه سألني ما يُسمي العرب الكلام السهل؟ فقلت: العرب تقول جارية ٌرخيمة ٌ، إذا كانت سهلة الكلام لينته. فوضع باب الترخيم) (49) ،وهذا في الواقع نصّ مهم يدلّ على أهميّة الأصمعيّ في الدرس النحويّ في المراحل المبكرة لنضج المصطلح النحويّ واستقراره.
أثر الرواية في منهجه:
مما لاشك فيه أنّ عالما كالأصمعيّ برع في مجال الرواية اللغويّّة أيّما براعة، واستطاع أن يقف على منزلة رفيعة من بين العلماء الذين عرفهم تاريخ اللغة العربيّة في هذا المجال، فهو (أحد أعمدة الرواية في اللغة والأدب) (50) ، فلذلك من الطبيعي أن يلقي منهج الرواة بظلاله على جميع مفاصل آليّات عمله اللغويّّة والنحويّة، وأعني به ذلك المنهج الوصفي الذي يعتمد النقل سمة أساسًا في هذا الجانب المعرفي، وبما إن علم النحو هو علم يعتمد على منهجين في الدرس هما: المنهج الوصفي القائم على النقل، والمنهج المعياري القائم على الرأي والاجتهاد كان لابد أن يؤثر منهج الرواة في منهج الأصمعيّ النحويّ، مع أنّه نشأ في بيئة علميّة غلب على حلقة الدرس فيها المنهج المعياري، وهي البيئة البصريّة. وهذه نقطة مهمّة يمكن أن يلاحظها الباحث في آراء الأصمعيّ النحويّة، ونتيجة لتأثره بهذا المنهج وصِف الأصمعيّ (بقلّة انعاثه في النظر وتوفّره على ما