يروى ويحفظ) (51) ،كما قيل إنّ (الأصمعيّ ليس مما ينشط للمقاييس، ولالحكاية التعليل) (52) ،وإنّه (ليس بصاحب نظر ولا قياس) (53) .
وقد لا يكون الأمر كذلك إذا ما نظر بدقّة الى منهج الأصمعيّ وآرائه النحويّة، وللتحقق من ذلك لا بدّ من النظر الى الدوافع والأسباب التي أدّت ببعض العلماء الى الوقوف من الأصمعيّ هذا الموقف، ونقده بهذه الطريقة، ولعل ّمنهجه كان سببا مهمّا في تبنّي مثل هذه المواقف إزاءه، وقد تكون هذه المواقف نتيجة
لبعض أساليبه المنهجية التي يمكن ملاحظتها من خلال بعض المناظرات التي تناقلتها الكتب في ما بعد
،كمناظرته مع الكسائيّ في حضرة الرشيد إذ (أنشد الكسائيّ:
أم كيفَ ينفعُ ما تعطي العلوق به ... رئمانََ أنفٍ إذا ما ضُنّ باللبن ِ
فقال الأصمعيّ: إنما هو (رئمان َ) بالنصب، فقال له الكسائيّ: اسكت ما أنت وهذا؟ يجوز رئمان ُ رئمانَ و رئمان ِ أنف ٍ بالرفع والنصب والخفض. أما الرفع فعلى الرد على ما؛ لأنها في موضع رفع
بـ (ينفع) فيصير التقدير: أم كيف ينفع رئمان أنف. والنصب بـ (تعطي) ، والخفض على الرد على الهاء التي في (به) . قال: فسكت الأصمعيّ) (54) .ويعلق ثعلب على سكوت الأصمعيّ بأنه (لم يكن له علم بالعربيّة وإنما كان صاحب لغة) (55) وقد تبنى الدكتور محمود حسني محمود هذا الرأي إذ قال: (إنه رجل لغة وشعر لا نحو) (56) ،ورأى ابن الشجري (ت 542 هـ) أن حق الإعراب و المعنى النصب، واتضح ذلك من خلال تعليقه على هذه الرواية، متّفقا مع إنكار الأصمعيّ (لأن رئمانها للبوّ(*) بانفها هو عطيتها إياه لا عطيّة لها غيره؛ فإذا رفع لم يبق َ لها عطية في البيت؛ لأن في رفعه إخلاء (تعطي) من مفعوله لفظا وتقديرا، والجر أقرب الى الصواب قليلا، وإنما حقّ الإعراب و المعنى النصب، وعلى الرفع فيحتاج الى تقدير ضمير راجع الى المبدل منه، أي رئمان ًُ أنف له) (57) ، والظاهر أن إجابة الأصمعيّ كانت معتمدة على منهجه في الرواية، وهو منهج نقلي قائم على نقل المفردات والتراكيب في شكلها الذي ورد عن قائليها، وبالمعاني التي يرومها أولئك القائلون في مناسبات بعينها يعلمها الرواة، ولا تتجه الى معان ٍ أخرى؛ لذلك فإن منهج الأصمعيّ لا يستدعي تقليب الظاهرة اللغويّّة على أوجه متعددة وتوجيهها إعرابيّا، وبيان مايُمكن أن يحتمله التركيب من تغيير للخروج بأكثر من وجه إعرابي، وهذا ما بيّنه الدماميني (ت 828 هـ) بقوله: (قد يكون الأصمعيّ إنما أنكر من جهة الرواية لا من جهة الدراية، يريد أن المروي في البيت النصب و لم يرو فيه الرفع فلا يتجه رد الكسائيّ عليه بقوله:(يجوز الرفع
و النصب والجر)؛ لأن هذا نظر فيما تقتضيه صناعة النحو، وليس الكلام فيه إنما الكلام في المروي عن قائل هذا البيت) (58) ، وهذا دليل واضح على تأثره بمنهج الرواة الذي يستدعي منه التمسك بالرواية و توجيهها إعرابيّا، والابتعاد عن تقليب التراكيب و التصرف بها على وفق ما تقتضيه الصناعة النحويّة.
كما يستطيع الباحث أن يتلمس أثر الرواية في بعض آراء الأصمعيّ النحويّة في مواضع كثيرة دالة على ذلك، وغالبا ما تكون روايته على نقيض من رواية النحويّين، من ذلك ما ذكره النحويّون في حذف الفاء
من جواب الشرط ضرورة مستشهدين بقول الشاعر (59) :
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشرّ ُ بالشر? عند الله ِ مثلان
قال سيبويه عند الخليل: (لايكون هذا إلاّ أن يضطرّ شاعر ... وقد قاله الشاعر مضطرّا) (60) ، وقال المبرد: (لا اختلاف بين النحويّين في أنه على إرادة الفاء) (61) أي إن الفاء حذفت من الجواب ضرورة (62)
، أما الأصمعيّ فقد زعم (أن النحويّين غيّروه وأن الرواية: من يفعل الخير فالرحمن يشكره) (63) ،و لا يكون فيه ضرورة على هذه الرواية (64) ، إذ إنها تناقض رواية استشهاد النحويّين.
وعلى وفق هذا المنهج جاء تخريج الأصمعيّ للشاهد النحويّ (65) :
لا تنه َ عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم ُ
فقد روى البصريّون والكوفيّون البيت بنصب الفعل (تأتي) واختلفا في تخريج هذا النصب فذهب البصريّون الى أنه منصوب بـ (أن) مضمرة (66) ، وذهب الكوفيّون الى أنه منصوب بعامل (الصرف) وهو من اصطلاحات الكوفيّين (67) وهو لديهم أن تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها، على ما عطف عليها (68) .
في حين يرويه الأصمعيّ برواية تختلف عن رواية الفريقين إذ يقول: (لم أسمعه إلاّ و(تأتي) بياء مرفوعة على القطع) (69) ، وهذا لايصح إلاّ أن تكون الواو في معنى الحال كأنه قال: لاتنهَ عن خلقِِ ٍ وانت تأتي مثله (70) . وهناك روايات أخرى من هذا النوع، ?ذ ذكر حمزة الأصفهاني (ت 351 هـ) : (أنّ سيبويه كان يحكي عن الخليل نفسه جواز ?سكان حرف ال?عراب في الاسم المرفوع والمجرور في الشعر، فعارضه الأصمعيّ، وقال: ما جاءنا ذلك عن ثبت نعرفه، فأنشده سيبويه للأقيشر:
رحْتَ وفي رجليكَ ما فيهما ... وقد بدا هنْكَ من المئزر ِ