البينية لايعطف فيها بالفاء؛ لأنّها تدل على الترتيب (95) . في حين أنّ النحويّين جوزوا روايته بالفاء محتجين بالسماع لكنهم اختلفوا في التخريج، فذهب ابن السكّيت (ت 244 هـ) الى أنّه على حذف مضاف والتقدير بين أهل الدخول فحومل (96) ، وهو مذهب الفر ّاء (97) ، وذهب خطّاب المراديّ (?) الى (أنّه على اعتبار التعدد حكما، لأ ن الدخول مكان يجوز أن يشتمل على أمكنة متعددة كما تقول قعدت بين الكوفة تريد بين دورها وأماكنها وأن ّ التقدير بين أماكن الدخول فأماكن حومل) (98) . ويبدو أنّ هذا الرأي أكثر الآراء رجحانا؛ لأنه لم يتعسّف في التخريج النحويّ، بل اعتمد المعنى أساسا للتخريج بالنظر إلى اعتبار التعدد حكما باشتمال المكان على أمكنة متعددة. ويلاحظ أنّ الأصمعيّ في هذا الرأي يختار الطريق الأسهل في التخريج بذهابه الى إنكار الرواية بحجة نحوية على الرغم من ورودها على ألسنة الرواة، وهذا ما يحتمه عليه منهجه (المحافظ) (99) .
? ذهب الى القول بمجيء (إلاّ) زائدة بين (ما زال وأخواتها) ،وأخبارهن؛ لأن (ما زال) وأخواتها لاتدخل (إلاّ) على خبرها؛ لأن نفيها إيجاب (100) ،حمل عليه بيت ذي الرمّة (101) :
حراجيجُ ما تنفكّ إلاّ مناخة ً ... على الخسف أو نرمي بها بلدا ً قفرا
وتابعه في ذلك المازني (102) ، وابن جنّي (103) ، وابن مالك (104) ، ووصف المراديّ هذا الرأي بالغريب؛ لأن (إلاّ) لم تثبت زيادتها (105) ،وقد خُرّج البيت على أكثر من وجه فقيل (تنفكّ) تامة بمعنى ماتنفصل عن التعب، أو ما تخلص منه، فنفيها نفي (106) لاإيجاب معه. وذهب الفراء الى أنّها ناقصة والخبر قوله (على الخسف) و (مناخة) حال من الضمير المستكن في الجار (107) ، ومنهم من ذهب الى أنّه (غلط ٌ من الرواة وإن الرواية إلا ًبالتنوين على أنّه اسم لا حرف(أي شخصا ) ) (108) ،وقيل: (إن(إلاّ) واقعة في غيرموقعها، والنية بها التأخير، والمراد: (ماتنفكّ ُ مناخة إلاّ على الخسف) (109) .
في حين ذكرت بعض المصادر أن الأصمعيّ كان يخطّئ ذا الرمة في هذا البيت في قوله (إلاّمناخة ً) ؛لإدخاله حرف الإيجاب على (ما تنفك ّ) (110) . وأيّد بعض المحدثين ذلك، وعدّه خطأ ً في دائرة التركيب النحويّ (111) ،والواقع أن رأيه بزيادة (إلاّ) يعد رأيا جريئا، إذ لم تثبت زيادة (إلاّ) ، والقول بزيادتها خروج عن الأجماع، ولم يكن الأصمعيّ معروفا بهذه الصفة، والمعروف عنه أنّه لايتورع عن تخطئة الشعراء عند خروجهم عن مألوف الكلام العربيّ الفصيح، ناهيك عن أنّ ذا الرمة كان بعضهم قد غمزه بمخالطة البقالين من الحاضرة (1121) ، وإمكان تأثر لسانه نتيجة لهذا الاختلاط؛ لذلك فالأصمعيّ لم يحتج بشعره لكثرة ملازمته الحاضرة (113) . وعلى الرغم من ذلك فإنّ الأصمعيّ (ينتهي إلى تقرير أنّ ذا الرمة حجة في شؤون اللغة؛ لأنه بدوي) (114) ، ولكنه مع هذا التقرير ينكر ما يرد عنه من ظواهر لغوية غريبة لا يعضدها الاستعمال اللغويّّ.
? ذهب إلى عدم جواز حذف تنوين اسم الفعل (إيهٍ) في الوصل، وعدّه شاذا (115) ، وأنكر أيضا على ذي الرمة قوله (116) :
وقفنا وقلنا إيهِ عن أمّ سالم ... وما بالُ تكليم الدّيار البلاقع ِ
وقال: (العرب لا تقول إلاّ:(إيهٍ) بالتنوين) (117) ،وقد تابعه في ذلك أبو إسحاق الزجّاج إذ قال: (وهذا كما قال الأصمعيّ في أنّه شاذ والقياس يوجبه على قياس(غاق ِ) ؛ فيمن لم ينوّن) (118) .
في حين ذهب ابن يعيش إلى مخالفة الأصمعيّ بقوله: (الصواب ما قاله الشاعر من أنّ المراد من(إيه ِ) بغير تنوين المعرفة. وإذا أراد النكرة، نوّن وخفي على الأصمعيّ هذا المعنى للطفه) (119) ، كما ذكر ابن يعيش
أن جميع البصريّين صوبوا ذا الرمة وقسمّوا (إيه) إلى معرفة ونكره فالمعرفة بلا تنوين والنكرة بتنوين (إيه ٍ) ، وقالوا خفى هذا الموضع على من عابه، ثم ذكر أنّ (الأصمعيّ أنكره من جهة الاستعمال والنحويّون أجازوه قياسا ولا خلاف بينهم في قلة استعماله) (120) . والملاحظ أنّ الأصمعيّ أنكر رواية (إيهِ) بلا تنوين لمعرفته بلغة العرب، وتثبته من أنّها لم ترد في
الاستعمال إلاّ منوّنة، أما النحويّون فقد ذهبوا إلى الحكم بصواب قول لشاعر على وفق القياس النحويّ، ولكن من الغريب أنّ أحدا من النحويّين لم يذكر ورود (إيهِ) في بيت ذي الرمة بلا تنوين للضرورة الشعرية.
? وذهب إلى وجوب إيراد فاعلين لـ (شتان) ، إذ أنكر بيت ربيعة الرقي (121) :
لشتان َ ما بين اليزيدين ِ في الندى ... يزيد ِ سليم ٍ والأغرّ ابن حاتم ِ
(وحجته أنّ(شتان) ناب عن فعل تقديره تفرّق وتباعد وهو من الأفعال التي تقتضي فاعلين (?)
؛ لأن التفرق لا يحصل من واحد) (122) ... ،فالمرفوع بعده لا يكون إلاّ مثنى (123) ؛ لذلك طعن الأصمعيّ في فصاحة هذا الشاعر، وذهب إلى أنّه غير محتج ٍ بقوله، وهذا ما ذكره أبو علي الفارسيّ ثمّ قال: ... (ورأيت أبا عمرو قد أنشد هذا البيت على وجه القبول له، والاستشهاد به، وقد طعن الأصمعيّ على غير شاعر قد احتجّ بهم كذي الرمة والكميت. فيكون هذا أيضا مثلهم) (124) .
يتبين من ذلك أنّ الأصمعيّ لا يتحرّج من تخطئة الشعراء، عند إيرادهم تراكيب لا يعضدها الاستعمال