تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر، أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:(أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"."
وعن ابن عباس قال: بينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه".
بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر عن قوم لهم من العبادة الشيء العظيم، حتى إنه ليحقر أحدنا صلاته بصلاتهم، إلا أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، وما ذاك إلا لمجاوزتهم الحد المشروع في عبادتهم. جاء ذلك عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق) .
وروى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:"... و إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين". وثمة نصوص كثيرة تحذر من خطر هذا المفهوم السقيم، والداء العضال، وهذا هو طبيعة المنهج الإسلامي، الذي يدعو إلى تصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على التوحيد الخالص من الشوائب والخرافات، ونزع نزغات الشيطان منه.
قال بعض السلف: ما أمر الله تعالى بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وتقصير وإما إلى مجاوزة وغلو ولا يبالي بأيهما ظفر.
قال ابن القيم: وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم جدًا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله وأصحابه ... - إلى أن قال: فقصر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل فضلا عن