الصفحة 22 من 29

عنه) ونقل عن سفيان، في قوله تعالى:"فاستقم كما أمرت"، قال: استقم على القرآن، وعن ابن زيد، في قوله تعالى:"ولا تطغوا"قال: الطغيان: خلاف الله وركوب معصيته ذلك الطغيان.

وأمر الغلو ترجع بذوره إلى الأمم السابقة من اليهود والنصارى، وقد نهاهم الرب تعالى عن ذلك،، وأمر نبيه بأن يعلمهم بما نهوا عنه، وحذر هذه الأمة من أن تتبع سبيل أهوائهم، كالغلو، وما وقعوا فيه من الانحراف، فقال تعالى:"قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" [المائدة:77] ، قال الإمام القرطبي في هذه الآية: (أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى، غلو اليهود قولهم في عيسى، ليس ولد رشدة، وغلو النصارى قولهم: إنه إله .. ) .

وقال ابن كثير عند هذه الآية: (نهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعموا أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا، أو صحيحا أو كذبا) .

ولابن عاشور كلام نفيس في حديثه عند هذه الآية، وهو يتكلم عن مفهوم الغلو، واستشرائه في اليهود والنصارى، فقال:"والغلو: تجاوز الحد المألوف، مشتق من غلوة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشروع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين. ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين. وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم: فاليهود طولبوا باتباع التوراة ومحبة رسولهم، فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام، والنصارى طولبوا باتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله، مع الكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم-."

وداء الغلو لم يقتصر على اليهود والنصارى فحسب، بل تعدى إلى هذه الأمة، وأصبتها اللوثة الفكرية، ونبتت نابتته في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- في أولئك النفر الذين تقالُّو عبادة النبي-عليه الصلاة والسلام- كما جاء عن أنس -رضي الله عنه- قال:"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما أخبروا كأنهم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت