فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 30

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ومع علم المؤمن أن الله ربُّ كل شيء ومليكه؛ فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب؛ كما جعل المطر سببًا لإنبات النبات؛ قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) [36] ، وكما جعل الشمس والقمر سببًا لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سببًا لما يقضيه بذلك؛ مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت؛ فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه الله بها، ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغي أن يُعرف في الأسباب ثلاثة أمور:"

أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا؛ فلها موانع؛ فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع؛ لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.

الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئًا سببًا بلا علم أو يخالف الشرع؛ كان مبطلًا، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في"الصحيحين"عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذر، وقال:"إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل".

الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سببًا، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، ولذلك لا يُعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة، وإن ظن ذلك؛ فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك؛ إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول صلى الله عليه وسلم بُعثَ بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما أمر الله به، فمصلحته راجحة، وما نهى عنه؛ فمفسدته راجحة"اه كلامه [37] ."

والمشركون في قديم الدهر وحديثه إنما وقعوا في الشرك الأكبر لتعلقهم بأذيال الشفاعة؛ كما ذكر الله ذلك في كتابه؛ والشفاعة التي يظنها المشركون أنها لهم هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن وأبطلها في عدة مواضع:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [38] . وقال تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) [39] .

فهذه الشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله، لأن الله - جل شأنه وعز سلطانه - أثبت الشفاعة في كتابه في عدة مواضع، كما قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ) [40] . وقال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى) [41] . وقال تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) [42] . وقال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَاذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [43] .

فعلى هذا؛ فالشفاعة شفاعتان:

أ) شفاعة منفية: وهي التي تطلب من غير الله.

ب) شفاعة مثبتة: وهي التي تطلب من الله، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، وهي زيادة على ذلك مقيدة بأمرين عظيمين:

الأول: إذن الله للشافع، كما قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِه) [44] .

الثاني: رضا الرب عن المشفوع له؛ كما قال تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى) [45] ؛ أي: قوله وعمله، أما المشركون؛ فتكون أعمالهم هباء منثورًا، فلا شفاعة لهم؛ معاملة لهم بنقيض قصدهم، فمن استعجل شيئًا قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه.

[30] سبأ: 22 - 23.

[31] الإسراء: 56 - 57.

[32] يونس: 106 - 107.

[33] الزمر: 38.

[34] البقرة: 186.

[35] رواه أحمد (1/ 213 و214) من حديث ابن عباس وسنده حسن.

[36] البقرة: 164.

[37] انظر الفتاوى [1/ 137 - 138] .

[38] البقرة: 254.

[39] الأنعام: 51.

[40] البقرة: 255.

[41] الأنبياء: 28.

[42] الزمر: 44.

[43] النجم: 26.

[44] البقرة: 255.

[45] الأنبياء: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت