ومن ذلك: النذر لغير الله: فهو شرك أكبر؛ لأن النذر عبادة؛ كما قال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) [20] ، وقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [21] .
فمن نذر لولي الشموع أو اللحوم وغيرهما؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه؛ لأنه لا يجوز النذر إلا لله، وصرفه لغير الله مناقض لما بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم فما يفعله عباد القبور من أهل البلاد المجاورة وغيرها من النذر لمن يعتقدون فيه ضرًّا أو نفعًا شرك أكبر مخرج عن الإسلام، ومن قال: إن ذلك شرك أصغر؛ فقد أبعد النجعة وقفا ما لا علم له به، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن ذلك: الاستعاذة والاستغاثة: كل ذلك صرفه لغير الله شرك.
النوع الثاني: الشرك الأصغر:
وصاحبه إن لقي الله به؛ فهو تحت المشيئة على القول الصحيح إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، ولكن مآله إلى الجنة؛ لأن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه معرض للوعيد، فيجب الحذر منه.
ومن أنواع الشرك الأصغر: الحلف بغير الله: إن لم يقصد تعظيم المحلوف به، وإلا؛ صار شركًا أكبر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك".
رواه أحمد، وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه وقال:"على شرط الشيخين"، وسكت عنه الذهبي، من حديث ابن عمر.
ومنه: يسير الرياء والتصنع للخلق: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسُئِل عنه؟ فقال:"الرياء". رواه أحمد وغيره من حديث محمود بن لبيد وسنده حسن.
فإذا كان الشرك الأصغر مخوفًا على الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم وأدركوا نزول الوحي؛ فعلى غيرهم من باب أولى ممن قل علمه وضعف إيمانه.
ولا يسلم المسلم من الشرك إلا بالإخلاص لله وبتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم.
ولما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله شرك عُباد الشمس والقمر وعباد النار وغيرهم؛ قال:"وأما الشرك في العبادة؛ فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضرُّ ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس."
وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في"صحيحه":"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة". قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟! قال:"قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم". فالرياء كله شرك.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [22] .
أي: كما أنه إله واحدٌ، ولا إله سواه؛ فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة.
وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا" [23] .
وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزَّلُ منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر؛ فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته عبادة خالصة.
قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [24] .
فمن لم يخلص لله في عبادته؛ لم يفعل ما أُمِرَ به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل.
ويقول الله:"أنا أغنى الشركاء فمن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء" [25] .
وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور .."اه المقصود من كلامه رحمه الله تعالى."
والعمل لغير الله له حالات: