فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 30

وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله:"التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل: فإن كان السحر مما يُعظم فيه غير الله، كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدَّى إلى الكفر؛ فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة؛ فإنه كفر بلا نزاع؛ كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) [89] ، وقوله تعالى: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) [90] ، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) [91] ، وقوله تعالى: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) [92] ."

وإن كان السحر لا يقتضي الكفر؛ كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها؛ فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.

وهذا هو التحقيق إن شاء الله [93] تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء"اه كلامه رحمه الله."

واعلم أن الساحر على كلا الحالتين يجب قتله على القول الصحيح، لأنه مفسد في الأرض، يفرق بين المرء وزوجه، وبقاؤه على وجه الأرض فيه خطر كبير وفساد عظيم على الأفراد والمجتمعات ففي قتله قطع لفساده وإراحة للعباد والبلاد من خبثه، وسيأتي إن شاء الله أنه ليس بين الصحابة اختلاف في قتل الساحر.

المسألة الثالثة: في قتل الساحر والساحرة:

قد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: وهو قول الجمهور: إنه يقتل، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.

القول الثاني: إنه لا يقتل إلا إذا عمل عملًا يبلغ به الكفر، وهو قول الشافعي رحمه الله.

واحتج أصحاب القول الأول بأدلة:

-منها ما رواه الترمذي والحاكم وابن عدي والدار قطني وغيرهم من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن جندب؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حد الساحر ضربه بالسيف".

قال الترمذي:"لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوف".

قلت: وإسماعيل بن مسلم: قال عنه أحمد منكر الحديث وقال ابن معين ليس بشيء. وقال الذهبي: (متفق على تضعيفه) .

-واستدلوا أيضًا بما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن بجالة؛ قال:"أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة: أن اقتلوا كل ساحر, (وربما قال سفيان: وساحرة) ، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزة. فقتلنا ثلاث سواحر .."الحديث [94] .

-واستدلوا أيضًا بما جاء عن حفصة - رضي الله عنها - أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها.

وهذا الأثر رواه مالك في"الموطأ"وسنده منقطع، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في"المسائل"والبيهقي عنها بسند صحيح، وصححه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في"كتاب التوحيد".

وهذا القول - وهو قتل الساحر مطلقًا - هو الصواب، ولا يُعلَم لعمر وجندب وحفصة - رضي الله عنهم - مخالف من الصحابة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر [95] ، وقال:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" [96] ، وهذا حديث صحيح."

وأما الذين قالوا: إن الساحر لا يقتل إذا لم يبلغ بسحره الكفر، فاستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

رواه: البخاري، ومسلم. وفي الاستدلال به نظر من وجوه كثيرة.

وأما عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم للبيد بن الأعصم، فهو خشية إثارة الفتنة، والله أعلم، مع أن بعض العلماء قال: هذا خاص بالذمي، والصواب أن الذمي والمسلم سواء في قتلهم.

المسألة الرابعة: حل السحر عن المسحور، وهي النشرة:

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:"حل السحر عن المسحور نوعان:"

أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن (وهو: لا يحل السحر إلا ساحر) ، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة؛ فهذا جائز"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت