فشمول الشريعة وإحاطتها بجميع شؤون الحياة تجعل الحاجة ماسة لإيجاد المجتهدين والمجددين؛ نظرا لما يجد في شؤون الحياة، وكذا نظرًا لتغيير الأحوال والبيئات والمجتمعات [1] ؛ فهذه هي طبيعة الأمة الإسلامية التي لا تفرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح كما قال تعالى:"إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [2] ".
التجديد كما أسلفنا أمر مرغوب فيه شرعا وعقلا بالضوابط الشرعية من القرآن والسنة والإجماع القياس، ولكن هذا التجديد متوقف على ماهية هذا العلم المجدّد، والمسائل والأحكام التي تقبل التجديد، والشروط والضوابط التي يجب توفرها عند التجديد وفي المجدد.
إن موضوع التجديد في علم القرءات لا يمكن أن يكون في باب الرواية حيث أن القراءات وحي منزل من عند رب الأرباب سبحانه وتعالى على رسوله الطاهر المطهر صلوات ربي وسلامه عليه، لا يمكن الزيادة عليه ولا النقصان منه؛ لذا فالباب موصد تمامًا في جانب الرواية، ولكن من الممكن ـ بل من المرغّب فيه ـ أن يكون التجديد في باب الدراية، فليس التجديد في النقل، ولكن التجديد في طريقة نقله وتوصيله لمريديه، ولولا التجديد والتطوير لما صار علم القراءات بهذا الحجم من الاهتمام والاستقلالية، وسلفنا الصالح خير مثال فيحيى بن يعمر (ت: 90 هـ) أول
(1) انظر التجديد في الفكر الإسلامي لعدنان محمد أمامة صـ 24.
(2) سورة الحجرات آية 14.