وقد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - جارية جاء بها سيدها ليعتقها، «فقال لها الرسول:"أين الله"؟ قالت: في السماء، قال:"من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة (5) » رواه مسلم في الصحيح. فالرسول أقر هذه الجارية في الجواب الذي قلته أنت، «قال لها:"أين الله"؟ قالت: في السماء. قال:"من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» .
وما ذاك إلا لأن إيمانها بأن
(1) سورة الملك الآية 16
(2) سورة الملك الآية 17
(3) سورة طه الآية 5
(4) سورة الأعراف الآية 54
(5) أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، برقم 537.
الله في السماء يدل على إخلاصها لله، وتوحيدها لله، وأنها مؤمنة به سبحانه وبعلوه، فوق جميع خلقه وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث قالت: أنت رسول الله.
أما قوله جل وعلا: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (1) . فهذا لا ينافي ذلك، الكرسي فوق السماوات، والعرش فوق الكرسي، والله فوق العرش، فوق جميع الخلق سبحانه وتعالى.
وتحديد الجهة لا مانع منه، جهة العلو؛ لأن الله في العلو، وإنما يشبه بهذا بعض المتكلمين، وبعض المبتدعة ويقولون: ليس في جهة. وهذا كلام فيه تفصيل، فإن أرادوا ليس في جهة مخلوقة، وأنه ليس في داخل السماوات، وليس في داخل الأرض ونحوها - فهذا صحيح.
أما إن أرادوا أنه ليس في العلو فهذا باطل، وخلاف ما دل عليه كتاب الله، وما دلت عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وما دل عليه إجماع سلف الأمة، فقد أجمع علماء الإسلام أن الله في السماء، فوق العرش، فوق جميع الخلق، والجهة التي هو فيها هي جهة العلو، وهي ما فوق جميع الخلق.