(فصل)
إن سأل سائل عن الأعمال إذا وزنت ما يعتبر فيها في الوزن فيظهر بها الأخف والأثقل؟
قيل له: تعتبر فيها مواقعها من رضى الله عنه تعالى أو سخطه، وذلك أن المؤمن قد يأتي بحسنة لا يريد فيها إلا وجه الله تعالى ولا يحمله عليها إلا حبه لله تعالى ورغبته في تحصيل مرضاته.
وقد يأتي خوفًا من عقابه، وقد يأتي فرقًا في حال إتيانه بها من أن لا تقبل منه، وأن لا تكون وقعت من كل وجه على ما يرضاه الله تعالى.
وقد يأتي ساكن العلم إليها معتقدًا أنه قد أدلها وخرج عن عهدتها وعلى هذا قد يواقع السيئة غافلًا عن نهي الله تعالى لا يخطر بقلبه أن الذي يأتيه سيئة لا يرضاها الله تعالى وذلك لألفة إياها ومرونية عليها وإن كان لو وقف في تلك الساعة وسئل عما يأتيه لاعترف بها سيئة خائفًا من تبعتها فرقًا من مواجدة الله تعالى إياه بها.
إلا أن ما يغلب عليه من الهوى يحول بينه وبين الكف عنها ثم ذلك الهوى أيضًا يختلف فقد يشذ حتى يجد صاحبه في اتباعه لذة كثيرة، وقد يخف فلا يجد صاحبه في اتباعه إلا لذة يسيرة.
وكذلك الداعي إلى الحسنة يختلف وقد يقوى حتى يجد صاحبه من إجابته وفعل الحسنة التي دعا إليها فرحًا شديدًا، إنما تبشره لها، وقد لا يبلغ هذا المبلغ فيكون فرح الفاعل للحسنة دون فرح الذي ذكرناه، وكل هذه الوجوه معتبرة في الوزن.
فلذلك يصلي رجلان بصلاة واحدة ويصومان يومًا واحدًا ويحجان معًا، ويكون ما يظهر من أعمالهما سواء إلا أن عمل إحداهما أثقل وزنًا وأكبر ثوابًا، ويصل واحد ركعتين فرقًا وركعتين مثلهما وقتًا آخر، فتكون إحدى صلاتيه أفضل من الآخرى.
وكذلك الصيام وغيره، ويشتركان في معصية فيكون ما يظهر من أفعالهما سواء، إلا أن عمل إحداهما يكون أكثر تبعة، وأظهر في ميزانه من الآخر، فقد قيل في قول الله عز وجل: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ} ، معنى إطلاعها على الأفئدة أن تؤلم كل أحد بقدر ما في قلبه من المعصية التي واقعها فصار معاقبًا عليها.
فإن محل الدواعي كلها هو القلب، والأفعال إجابة عن الأعضاء لتلك الدواعي مختلف مقاديرها وما يستحق بها بحسب اختلاف تلك الدواعي في أنفسها.
ألا ترى أن العبد قد يدعوه سيده خير فيجيبه إلا أن إجابته غير سيده لا يقع منه موقع إجابته سيده، فإنه إنما يجب سيده على أن ذلك واجب عليه لا يسعه خلافه ويجب غير سيده تبرعًا في الجملة، فبان بذلك أن أحكام الأفعال مأخوذة من دواعيها، وهي كذلك يكون في الآخرة والله أعلم.