فهرس الكتاب

الصفحة 549 من 1217

{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103)}

(فصل)

ونقول قبل ما اقتصصنا من هذه المعاني إن الله تعالى لما فرض الصلوات الخمس علينا وجعلها موقوتة، فقال: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} .

فيها من الليل والنهار، وأجل ما بين طلوع الشمس إلى زوالها من فرطها ليبسط الناس منه ويركنوا إلى التصرف في معايشهم وقضاء الحقوق التي تكون لبعضهم على بعض من الزيادة والعبادة والتهنئة والتعزية وغيرها.

وأجلى منها الشطر الآخر من الليل أو ثلثهم ليستوفوا حظهم من النوم فيه، ويقضوا فيه وطرهم.

وشغل بفرض الصلاة النصف الآخر من النهار، والنصف الأول من الليل، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأنه وقت فارغ يعقب قضاء الناس حاجتهم من اليوم، ولا يتسع إلا للشراء والتصرف، ثم لم يفرض عليهم من الصلاة في هذه الأوقات ما يستغرقها بل اليسير منها لتجتمع لهم فيها العبادة والفراغ لما عسى يكون عليهم من أشغال المعاش، ويميلون إليه من الراحة والجمام ولله الحكمة البالغة.

ووجه آخر: وهو أن الله - عز وجل - لما جعل النهار لينتشر الناس فيه ويبتغوا من فضله، والليل ليسكنوا فيه.

فكانت حقيقة الليل والنهار أن تكون الشمس فوق الأرض أو تحتها، علق هذه الصلوات بأحوال الشمس، ثم لم يجعل لطلوعها مدخلًا في إيجاب الصلاة، لأن لطلوعها من النهار، والحسن بما يأخذ بمجامع القلب، وقد يسجد في ذلك الوقت قوم من الكفار عبادة لها من دون الله تعالى وهم الذين أبادهم الله تعالى بقوله: {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} .

فلم يأمر الله تعالى في هذا الوقت بالصلاة لئلا تدخل الشبهة على بعض الناس، ويروا أن الصلاة في ذلك الوقت تعظيم للشمس، إذ لا يتصور ذلك منهم بهذه الصورة وإن كانوا لا يريدونها ولا يقصدونها.

وقدم الإيجاب فوضعه عند طلوع الفجر الذي هو أول أحوال طلوع الشمس.

فإنه ليس للفجر من الزهاء والبهاء والبهجة ما لعين الشمس، ولا يسبق إلى الأوهام من الصلاة في ذلك الوقت ما يسبق منها البهاء حال طلوع الشمس.

ثم لم يعد الإيجاب صلاة أخرى حتى تزول الشمس.

فإذا زالت الشمس وجب الظهر، وليس لزوالها من الحال التي وصفناها لطلوعها، لأن طلوعها ارتفاعًا وزوالها انحطاطًا.

والسجود في وقت الانحطاط لا يشبه التعظيم ولا يوهمه.

ثم لم يوجب صلاة حتى يصير ظل كل شيء مثله، ويزيد أدنى زيادة، فأخذ الظل في ازدياد، ويحدث له عليه كما أوجب الظهر حين حدث منه ما كان.

وهذا أيضًا لا يوهم أن يكون المقصود بالسجود للشمس، لأن عليه الظل يحدث عن تزايد سقوط الشمس نحو المغرب، ثم لم توجب صلاة حتى تغرب الشمس غروبها أبعد الأحوال من اتهام أن يكون السجود لها.

لأنها إذا غربت فقد غابت عن الأبصار وصارت كالمعدومة، ثم لم تجب صلاة أخرى حتى يغيب الشفق الذي هو الحمرة، لأن الحمرة من بقايا الأشراق الذي هو رتبة الشمس وبهجتها.

وإيجاب الصلاة عند غروبها كإيجابها عند غروب قرصها إلا إيهام فيه لتعظيمها وأن تكون هي المقصودة في السجود دون خالقها، ولم تفرض هذه الصلاة إلى أن يغيب البياض، لأن صلاة قد وجبت بطلوع البياض فلم يجز أن يكون غروبه وقتًا للصلاة الأخرى، ليكون حكم الغروب خلاف حكم الطلوع.

ألا ترى أن غروب الشمس لما كان وقت الصلاة لم يكن طلوعها وقت الصلاة، فخالف حكم الطلوع حكم الغروب، فكذلك هذا.

وله وجه آخر: وهو أن أوقات الصلاة إذا كانت مأخوذة من أحوال الشمس وجب أن يكون أثر من آثار الشمس موجودًا حينما تجب الصلاة وتقام.

فإذا كانت صلاة الفجر تجب بظهور بياض الشمس، والظهر يجب بزوالها، والعصر باستعلاء سقوطها، والمغرب بمغيب عينها.

وكانت هذه الصلوات كلها تقام والشمس نفسها، أو أثر من آثارها قائم باد، دل ذلك على أن العشاء هذا بسببها، وأنها تجب بغروب الحمرة، فتقام والبياض الذي هو من آثار الشمس قائم باد، ولا يتأخر وجوبها إلى أن يغيب البياض، فلا يبقى من الشمس عين ولا أثر والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت