قيل: لأنه مأمور بتلك الخيرات بالأمر الذي بلغه النبي - صلى الله عليه وسلّم - عن الله جل ثناؤه، فإذا لم تثبت له طاعته، وأما الأمر المتقدم فقد تناهى وزال قيام الحجة به، ولولا أن هذا هكذا لكانت بعض رسالة رسل المتقدمين باقية، ولكان الرسل إلى بني إسرائيل في بعض الأشياء ليوم موسى ومحمد صلوات الله عليهما معًا، وليس ذلك كذلك، ولكن الرسول محمد - صلى الله عليه وسلّم - وحده، فمن لم يثبت الأمر الذي بلغه على لسانه لم تثبت له طاعة الأمر، ولم يكسب بما يفعل بر ولا قربة.
ثم إن الناس يومئذ ثلاث طبقات: إحداهم المؤمنون المتقون، وهم الذين يوافون يوم القيامة بلا كبائر الذنوب.
والثانية المؤمنون المخلطون وهم الذين يوافون القيامة بالفواحش والكبائر.
والثالثة الكفار.
فأما المتقون فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم ـ إن كانت لهم ـ في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتثقل الكفة النيرة حتى لا تبرح، وترفع المظلمة ارتفاع الفارغة الخالية، وأما المخلطون فإن حسناتهم أيضًا توضع في الكفة النيرة، وآثامهم وسيئاتهم في الكفة المظلمة.
فيكون يومئذ لكبائرهم التي جاءوا بها ولحسناتهم ثقل، إلا أن الحسنات تكون بكل حال أثقل لأن معها أصل الإيمان، وليس مع السيئات كفر، ويستحيل وجود الإيمان والكفر معًا لشخص واحد، فيوزن أحد بالآخر، ولأن الحسنات لا يراد بها إلا وجه الله تعالى، والسيئات لم يقصد بها مخالفة الله تعالى، وإشفاق من غضبه فاستحال أن توازى السيئات وإن كثرت حسنات المؤمن، ولكنها عند الوزن لا تخلو من ثقيل يقع بها للميزان حتى يثقلها كبعض ثقل الحسنات، فيجزي أمر هؤلاء على ما يثبت في باب زيادة الإيمان ونقصانه.
وأما الكفار فإن كفرهم ومعاصيهم التي دعاهم إليها، وهو بها عليكم، كفرهم في الكفة المظلمة ولا يوجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى خفيفة لفراغها وخلوها من الجزاء، فيأمر الله - تعالى جده - بهم إلى النار، ويعذب كل واحد منهما بقدر أوزاره وأيامه.
وأما المتقون فإن صغائرهم باجتنابهم الكبائر تغفر، ويؤمر بهم إلى الجنة، ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته وطاعاته.
وهذا إن الصفات هما المذكوران في القرآن في آيات الوزن، لأن الله - عز وجل - لم يذكر حيث ذكر وزن الأعمال إلا من ثقلت موازينه ومن خفت موازينه، وقطع لمن ثقلت موازينه بالفلاح والعيشة الراضية على الإطلاق.
ولمن خفت موازينه بالخلود في النار بعد أن وصفه بالكفر، وقد علمنا أن الناس كلهم لا يكونون هذين الفريقين، لكن يكون معهما فريق ثالث وهم الذين يخلطون الشيء الصالح.
ووردت الأخبار بأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - يشفع فيهم فيخرجون من النار بعدما صاروا حممًا.
إلا أن هذا الفريق لم يذكروا ذكرًا مفصلًا في آيات الوزن، ولكن الله - عز وجل - قد قال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} .
وفيها بيان المخلط توزن حسناته وسيئاته، ولذلك قال {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} ، أي لا توزن له سيئة، لأن نقصانها من ميزانه كان لا يحول بينه وبين الجنة، كما لو تركت للمخلط حسنة ازداد ذلك من ثقل سيئاته، وأوجب ذلك زيادة عذاب عليه.
فعلمنا أن الطبقات يومئذ ثلاث كما بينا والله أعلم.
فأما أن الوزن كيف يكون، ففيه وجهان: أحدهما أن صحف الحسنات توضع في الكفة المضيئة، وصحف السيئات توضع في الكفة المظلمة، لأن الأعمال لا تنسخ في صحيفة واحدة ولا كاتبها يكون واحدًا، لكن الملك الذي يكون على اليمين يكتب الحسنات والملك الذي على الشمال يكتب السيئات، فيفرد كل واحد منهما بما ينسخ، فإذا جاء وقت الوزن وضعت الصحف في الموازين فيثقل منها ما يحق تثقيله، وخفف ما يحق تخفيفه.
والوجه الآخر: أنه يجوز أن يحدث الله أجسامًا مقدرة بعدد الحسنات والسيئات، ويميز أحدهما عن الآخر بصفات يعرفونها، فيوزن كما توزن الأجسام بعضها ببعض في الدنيا، والله أعلم.