ويجوز أن يكون في الأرض تختًا له، فكان خياله موضع الكعبة فبناها فيه.
وأما الخيمة، فقد يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها، فبناها كانت في جوف الكعبة طمأنينة لقلب آدم، عاش، ثم رفع، فتتفق هذه الأخبار.
ثم لما كان زمان الغرق رفع البيت الذي بناه آدم، فصار البيت المعمور، ذلك الذي كان معمورًا في السماء، أي بطل أثره بالغرق، فخاض البيت المعمور ما كان في السماء.
وأما الذي كان في الأرض بحياله فإنه ضرب، ولم يزل خرابًا إلى أن أمر إبراهيم عليه السلام بتجديده.
فاجتمع بما وصفنا للبيت من الفضائل الموجبة لتعظيمها، أنه بدل بخيمة من خيام الجنة كانت مضروبة.
ثم إن أهله بني آدم صلوات الله عليه، وأنه أمر ببنائه ليكون له في الأرض مكان العرش للملائكة فوق السماوات.
ثم أنه يقدر البيت المعمور وحياله، ثم أنه رفع، وبقي ما بقي، فأراد الله تعالى تجديده، أجرى ذلك على يدي إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهما، وأحيى تلك المشاعر كلها بهما، وأراهما المناسك، ولم تزل باقية من ذلك الوقت إلى الآن تشهد وتؤدي حقها من الوجه الذي أمر الله عز وجل.
ثم إن إبراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء البيت، دعا فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} .
فاستجاب الله دعاءه وبعث فيهم نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلّم -، فكان يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم» .
وإذا كان كذلك فهو إذًا من بركات البيت وخيراته، إذ كان سببه الدعاء الذي دعا به إبراهيم ربه حين فرغ من بنائه، واجبًا أن تكون طاعته له لي ببناء البيت وسيلة يوفى بها سؤله، وتستجاب دعوته.
ثم إن الله - عز وجل - خلق نبينا بمكة وبناءه فيها، وابتدأ تنزيل الكتاب عليه فيها.
وفتحها بعد استيلاء المشركين عليها له وعلى يده، حتى طهر البيت من أرجاس المشركين وأخرج الأصنام والتماثيل التي كانوا نصبوها فيه منه.
وأعاده ركنًا نقيًا كما كان مكان البناء والعمارة جاريين على يدي إبراهيم وإسماعيل والتنزه والطهارة واقعين على يدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - جميعًا.
ثم إن الله - عز وجل - جعله قبلة للناس، فقال: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} .
وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلّم: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} .
وإن فرض مع هذا كله قصده وزيارته، وأمر عباده أن يحفوا حوله بالطواف إظهارًا للولوع والملازمة له، كما يحف العبيد ببيوت ساداتهم، ثم يشرع لهم لذلك القصد آدابًا، وهيأ قبله أسبابًا، بها تيم منهم التعظيم، ويكمل الإجلال والتفخيم، ويتوفر التشريف والتكريم كما سبق بيانه حبًا به، وتفضيلًا لم يكن في ذلك ما ينكره إلا ضعيف عقله سفيه، وأنه كما قال الله عز وجل: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} ، وبالله التوفيق.