: 84] هو آية واحدة باتفاق أهل العدد!! ولم يوافقه إلا ما جاء في رواية البزار"فما برحت حَتَّى نَزَلَت الآيَة"، وهذه الرواية تفرد بها البزار، ورواها من طريق محمد بن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعنه (69) . ولفظ البخاري وغيره كله"الآيتان".
والجواب عن الرواية المشهورة «نزلت الآيتان» أن المقصود بالآية هنا"الموضوع"، فالآية الكريمة تتضمن موضوعين: عدم الصلاة على المنافقين، وعدم القيام على قبورهم. فَنُزِّل كلٌّ من الموضوعين منزلة الآية المستقلة. والله تعالى أعلم.
وأما رواية الترمذي"فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ... } إِلَى آخِرِ الآيَةِ"فيحمل التعبير الأول على إرادة الموضوع، ويحمل التعبير الثاني على إرادة العدد. مع ملاحظة أن هذه الرواية أيضًا من طريق محمد بن إسحاق وقد عنعنها.
4 -قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] هو ست آيات باتفاق أهل العدد. فأما الروايات التي جاءت بلفظ"الآية"فتحمل على إرادة الجنس. وأما ما جاء بلفظ التثنية فيحمل على إرادة الموضوع؛ فالآيات تتحدث عن فريقين: من ييسرون لليسرى، ومن ييسرون للعسرى. والله تعالى أعلم.
5 -قد يجاب بأن تغاير التعبير هو تصرفٌ من بعض رواة الحديث.
المطلب الرابع: الدلالات المستنبطة من هذا المبحث
1 -لفظ الآية قد يطلق ويراد به الجنس، وحينئذ يستوي أن يكون المتحدث عنه مفردًا أو مثنىً أو جمعًا.
2 -لفظ الآية قد يطلق ويراد به الموضوع؛ بحيث يطلق على الآيات التي تتحدث عن موضوع ما لفظ"آية"، وإن كانت أكثر من آية. وقد يطلق على جزءٍ من الآية أنه"آية".
3 -يحتمل أن يكون السبب في تغاير التعبير عن القدر الواحد من القرآن الكريم إفرادًا وتثنيةً وجمعًا تصرفًا من بعض رواة الأحاديث.
4 -الروايات الصحيحة قلما يختلف بعضها مع بعض، والمخالفات تأتي من روايات شاذة وضعيفة.
5 -الاختلاف في الروايات التي فيها عدُّ الآي يشمل القرآن المكيّ والمدني على السواء.
6 -قد تكون الرواية الأضعف سندًا هي الأكثر موافقة لما في علم عدِّ الآي، والرواية الصحيحة على عكس ذلك. وهذا لا يطعن في صحة الرواية، ولا يطعن في علم عدِّ الآي أيضًا؛ لأن علم عدِّ الآي لا يستند على الروايات وحدها؛ بل هو منقول بالتواتر.
المبحث السادس
الأحاديث والآثار التي فيها ذكر أعداد من الآي وهو موافق لجميع أهل العدد
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: نصوص الأحاديث والآثار الواردة في ذلك
بعض الأحاديث والآثار التي تقدمت في مباحث سابقة تندرج تحت هذا المبحث أيضًا؛ كأحاديث الفاتحة أنها سبع آيات، وأحاديث المبحث السابق كلها. ومما ورد بالإضافة إلى ذلك:
1 -عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» (70) .
2 -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:"الْكَبَائِرُ مَا بَيْنَ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى رَأْسِ الثَّلاثِينَ" (71) .
3 -عن بريدة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: بينما نحن قعود على شرابٍ لنا، ونحن على رَمْلة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطِيةٌ لنا، ونحن نشرب الخمر حِلا إذ قمت حتى آتي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسلم عليه، وقد نزل تحريم الخمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... } إلى آخر الآيتين {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] ... (72) .
4 -عن عبادة بن الصامت رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من يبايعني على هؤلاء الآيات؟» ثم قرأ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] حتى ختم الآيات الثلاث، «فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص شيئا أدركه الله بها في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة كان أمره إلى الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» (73) . وجاء من وجه آخر عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما موقوفًا في قوله تعالى: {آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: 7] قال: هي التي في الأنعام {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} ثلاث آيات (74) .
5 -عن عبد الرحمن بن يزيد: أن ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِهِمُ الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِن الأنْفَالِ، ثُمَّ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ (75) . وفي رواية: صَلَّى بِنَا ابْنِ مَسْعُودٍ صَلاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الأنْفَالِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] ركع (76) .