فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 17

المطلب الثالث: مناقشة حول الحديث

1 -في نص الحديث أن الخلاف دائر بين كون سورة الأحقاف خمسًا وثلاثين آية أو ستًا وثلاثين، في حين أن الخلاف فيها عند أهل العدد دائر بين كونها أربعًا وثلاثين أو خمسًا وثلاثين.

والجواب: أن عدّها ستًا وثلاثين آية ربما كان صحيحًا في حدّ ذاته، إلا أنه لمَّا لم ينقل لنا تواترًا كما نقل العددان الآخران بقي نقلًا آحاديًا، كما هو الشأن بخصوص القراءات الشاذة. والله تعالى أعلم.

2 -إن قيل: ما سبب الاختلاف في عدِّ الآي؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة (12) . والثاني: أن النبي صلى عليه وسلم كان يعلمهم ذلك كما كان يعلمهم قراءات القرآن الكريم (13) .

المطلب الرابع: الدلالات المستنبطة من هذا المبحث

هذا الحديث أصل عظيم في علم عَدّ الآيِ، ويمكن أن تستنبط منه نقاط كثيرة، أهمها:

1.وقوع اختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم في علم عَدّ الآيِ كما وقع بين اختلاف في علم القراءات، وكلٌّ بتوقيفٍ من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال السخاوي رحمه الله:"فإن قيل: فما الموجب لاختلافهم في عدد آي القرآن؟ قلتُ: النقل والتوقيف ... فإن قيل: فلو كان ذلك توقيفيا لم يقع اختلاف؟ قلتُ: الأمر في ذلك على نحوٍ من اختلاف القراءات، وكلُّها مع الاختلاف راجع للنقل" (14) .

2.أن علم عَدّ الآيِ توقيفي ولا يعلم بالقياس ولا بالاجتهاد، وأن الصحابة رضي الله عنهم تعلموه من النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما تعلموا منه القراءات. بدلالة قول ابن مسعود رضي الله عنه:"تَمَارَيْنَا فِي سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَقُلْنَا خَمْسٌ وَثَلاثُونَ آيَةً، سِتٌّ وَثَلاثُونَ آيَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..."فالخلاف -بحسب هذه الرواية- كان قد وقع في عدِّ الآي. وفي بعض الروايات أن الخلاف وقع في القراءة. ويجمع بينهما أن الخلاف وقع بين الصحابة رضي الله عنهم في كلا الأمرين.

3.أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنكر على الصحابة الكرام خلافهم في عَدّ الآيِ كما أنكر عليهم خلافهم في القراءات.

4.جواز تقريب عدد آي السُّوَر، وأن من عادة العرب حذف الكسور.

5.مدى حرص الصحابة رضي الله عنهم على سلامة القرآن الكريم من أي اختلاف مهما كان؛ فالذي وقع الخلاف والمراء فيه هل السورة خمس وثلاثون أم ست وثلاثون آية، أي أن الفارق بينهما كان آية واحدة.

6.أن الاختلاف في عَدّ الآيِ محصور بما ورد به الشرع الكريم؛ وذلك من خلال قول عليٍّ رضي الله عنه: «إنّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمرُكم أن تقرأوا كما عُلِّمتم» .

المبحث الثاني

الأحاديث التي فيها تحديد أعداد آي بعض السور

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: نصوص الأحاديث الشريفة الواردة في ذلك

1 -عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ؟ [الأنفال: 40] » ، ثُمَّ قَالَ لِي: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ» ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ: لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ» (15) . قال ابن حجر رحمه الله:"فيه دليل على أن الفاتحة سبع آيات" (16) .

2 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعُ آيَاتٍ إِحْدَاهُنَّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَهِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ» (17) .

3 -عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ ثَلاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ سُورَةُ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» (18) .

4 -عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَزَرْنَا (19) قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلاثِينَ آيَةً، قَدْرَ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ (20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت