اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ» (31) .
4 -عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من حَافَظَ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِن الْغَافِلِينَ، ومَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِن الْقَانِتِينَ» (32) .
5 -عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:"مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ بخمس آيات لم يكتب في ليلته أبدًا من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة كتب له قنطار، ومن قرأ سبعمائة أفلح" (33) .
المطلب الثاني: الدلالات المستنبطة من هذا المبحث
1 -تدل هذه الأحاديث على أن عَدّ الآيِ أمر معلوم لدى المخاطبين جميعًا، ولا يسع أحدًا العذر بالجهل به؛ فالخطاب في تلك الأحاديث جاء بلفظ من ألفاظ العموم «مَنْ» ، وعليه فإن تقسيم السورة إلى آيات كان معلومًا لدى المخاطبين كعلمهم بالقرآن ذاته.
2 -عد الآي كان هو الوسيلة الوحيدة التي كانوا يقدرون بها كميَّةَ ما يُقْرأُ من القرآن.
المبحث الرابع
الأحاديث التي فيها تقدير الأوقات بمقادير قراءة عدد معين من الآي
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: نصوص الأحاديث الواردة في ذلك
وفيه فرعان:
الفرع الأول: تقدير الوقت بين السحور وإقامة صلاة الفجر بقدر قراءة خمسين آية
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصَّلاةِ فَصَلَّى، فقيل لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً (34) . وفي رواية عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاةِ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: خَمْسِينَ آيَةً (35) .
الفرع الثاني: تقدير الركعات في الصلاة بمقدار ما يقرأ فيها من الآي
1 -حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المتقدم قَالَ: حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلاثِينَ آيَةً؛ قَدْرَ (الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ) ... إلخ.
2 -عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ (36) .
3 -عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً (37) .
المطلب الثاني: مناقشة حول هذه الأحاديث
إن قيل: إن الآي تختلف طولًا وقِصَرًا فكيف كانوا يقيسون بها طول الركعات ونحو ذلك؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن ذلك كان على وجه التقريب، واعتماد مقدار متوسط من الآي؛ لا هو بالطويل ولا بالقصير. والثاني: أن النصوص نفسها تشير إلى أن العدَّ كان تقريبيًا؛ ففي حديث عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْها «ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً» ، وفي حديث أبي برزة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ آيَةً» .
المطلب الثالث: الدلالات المستنبطة من هذا المبحث
1 -أن الصحابة رضي الله عنهم وظفوا عَدّ الآيِ لتقدير أوقات بعض العبادات؛ كتقدير طول الركعات في الصلوات، ومقدار ما ينتظر بين الأذان والإقامة. وذلك يوحي باستقرار أمر عَدّ الآيِ عندهم استقرارًا تامًا؛ كاستقرار معرفة الأيام والليالي والأسابيع والشهور.
2 -عَدّ الآيِ كان معلومًا لدى الجميع صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً؛ كما يظهر من خلال رواة تلك الأحاديث.
3 -أن الركعتين الأوليين أطول من الأخريين.
4 -أن القراءة في صلاة الفجر أطول من غيرها.
المبحث الخامس
اختلاف الروايات في وصف مقدار معين من القرآن الكريم تارة بأنه آية وتارة بأنه آيتان وتارة بأنه آيات
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: ما ورد التعبير عنه بالمفرد والمثنى والجمع
وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: نصوص الأحاديث والآثار الواردة في ذلك
1 -عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ -وَهُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ- فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ