لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا (51) مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا (52) مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ. فَقَامَ رَجُلانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} [المائدة: 107] وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ. قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ} [المائدة: 106] . وفي رواية: ... ونزلت هاتان الآيتان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ} إلى آخر الآية (53) .
2 -عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْكَ وَهُمَا مُشْرِكَانِ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرِكٌ؟ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} إِلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ (54) . وفي رواية: ... فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} إلى قوله {تَبَرَّأَ مِنْهُ} (55) . وفي رواية: ... فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ} الآيَةَ (56) .
3 -عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: «فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ* فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16 ـ 17] (57) . وفي رواية: ... ثم قرأ هذه الآية: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ} الآيتين (58) .
4 -عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سافر فركب راحلته كَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] يقرأ الآيتين، ثم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أسْأَلُكَ في سَفَرِي هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا السَفَرَ، وَاطْوِ لَنَا الأَرْضَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الأهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا فَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا» ، وكان إِذَا رَجَعَ قَالَ: «آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» (59) . وفي جلِّ الروايات ذكر النص كاملًا {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13 - 14] بدون قوله:"يقرأ الآيتين" (60) . وفي رواية: ... ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} الآيةَ (61) .
5 -عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ... ، ثم قال في آخر الحديث: فَلَمْ يَمْكُثْ إِلا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَت الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَة {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} إِلَى {وَهُمْ فَاسِقُونَ} [النور: 84] . قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (62) . وانفرد الترمذي بلفظ: ... فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ هَاتَانِ الآيَتَانِ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ... } إِلَى آخِرِ الآيَةِ (63) . وانفرد البزار بلفظ: فما برحت حتى نزلت الآية {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (64) . وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ... فنزلت أو فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} (65) ، أي بدون تحديد الذي نزل أهو آية أم آيتان.
6 -عن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فيها رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فجاء رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجلس ومعه مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ ونَكَتَ بها، ثم رَفَعَ رَأْسَهُ فقال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِن الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً» ، فَقَالَ رَجَلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ لَيَكُونَنَّ إِلَى السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ لَيَكُونَنَّ إِلَى الشَّقَاوَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلِ اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ؛ فأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ للسَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ للشَّقَاوَةِ» . ثم قرأ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الآية {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10] (66) . وفي بعض الروايات: ... ثم قرأ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الآيتين (67) .
الآيات التي اشتمل عليها هذا الفرع كلها محل اتفاق بين أهل العدد فيه إفرادًا وتثنيةً، ولم يقع بينهم اختلاف في ذلك (68) .
الفرع الثالث: مناقشة حول هذه الأحاديث
1 -الأحاديث في هذا المطلب عبَّرت عن ذات القدر من الآيات الكريمة تارة بأنه آية، وتارة بأنه آيتان.
2 -يجاب عن البنود الأربعة الأولى بأن لفظ الآية يراد به الجنس لا العدد.
3 -قوله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة