كان العربُ قبلَ الإسلام إذا أراد الواحدُ منهم أن يَفعل أمرًا من سفر أو تجارة أو غيرهما زَجَرَ طائرًا، فإن اتَّجَهَ ناحيةَ اليسار تراجع عن فعل ما هو عازمٌ عليه وتشاءم؛ وهذا من جَهْلهم وسوء أحوالهم.
قال القرطبيُّ: ولا شيءَ أضرّ بالرأي ولا أفسد بالتَّدبير من اعتقاد الطِّيَرةَ، ومَنْ ظَنَّ أنَّ خوارَ بقرة أو نعيب غراب يردُّ قضاء أو يدفع مقدورًا، فقد جهل.
وكذلك الاستقسام بالأزلام؛ وتسمَّى القداح؛ وهي سهامٌ كانت لديهم في الجاهلية مكتوبٌ على أحدها: أمرني ربي. وعلى الآخر: نهاني ربي. والثالث: لم يكتب عليه شيء؛ فإذا أرادوا سفرًا أو تجارة أو حربًا أو غيرها أتوا إلى بيت الأصنام وأخذوا القداح وحرَّكوها في شيء، فإن خرج الآمر أقدموا على الأمر، وإن خرج الناهي أمسكوا عنه، وإن خرج الثالث أعادوها [1] ثانيًا حتى يخرج له الأمر أو النهي.
فلما جاء الإسلام حرَّم ذلك وأبدلنا خيرًا منه، فكانت صلاة الاستخارة التي نسلِّمُ الأمرَ فيها لله- تعالى- وحدَه الذي يعلم السِّرَّ وأخفى.
فنخرج بهذه الصَّلاة من حولنا وقُوَّتنا إلى حوله وقوَّته، ومن جَهْلنا وضعفنا إلى علمه وقدرته؛
(1) تفسير القرطبي.