وكان الأفضل بالمختلفين في اجتهاد أو فهم، أو وسيلة، أو هدف أن يلتقوا، وأن يكون حسن الظن هو الغالب عليهم، وأن يتحاوروا في جوانب الافتراق، مع تجردهم للحق ونزاهة تامة من الهوى، ورغبة صادقة في الحرص على الوصول إلى الحق، وأن يتهم كل واحد من المفترقين رأيه، ويحتمل الحق عند غيره، وأن يتواضع لقبول الحق إذا جاء على لسان غيره، وأن يعرف أن الإسلام لا يصان حماه، ولا تحمى بيضته إلا بالتعاون على البر والتقوى، وأن عند كل إنسان وجماعة من الإمكانات والقدرات ما ليس عند الآخرين، وأن الإسلام هو الإطار الجامع للجميع، كما ينبغي أن يعي كل فرد، وكل جماعة أن عند غيره مثل ما عنده ــ أو أكثر ــ من الغيرة على دين الل، والحرص على الدفاع عن حياضه والذود عنه. وإذا كان هناك وجهات نظر أدت إلى شيء من الاختلاف؛ فلا ينبغي أن يكون ذلك حاملاً على القطيعة وكيل الاتهامات بدون حق، والله عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) [سورة المائدة: 8] .
والأصل ــ عند وجود جهود تبذل في خدمة الإسلام ــ أن يبتعد الدعاة عن أسلوب النقد والتجريح، وأن يقدّر كلٌ منهم جهد الآخر، سعيه في خدمة الإسلام، وأن يكمل بعضهم بعضاً، لا أن يضادّه، ويسفهه، ويشتغل بتجريحه ونشر معايبه ويسئ الظن به.
(6) إقامة مبدأ الولاء والبراء على أساس الاختلاف في القضايا الجزئية:
وهذا مبدأ قائم على الهوى، وهو مبدأ مجانب للحق، يجر بأفراد الجماعة التي تبنت هذا المبدأ إلى أن يغرس في نفوسهم الغلّ، والشحناء، والبغضاء لإخوانهم المسلمين، الذين يخالفونهم في جزئية معينة، مما يؤدي إلى فساد ذات البين، ويورث القطيعة والهجر، وعدم المناصحة، وقد يؤدي إلى إطلاق الألسن في الأعراض، واستحلال الغيبة، وهذه فتنة كبيرة، لا يمكن تداركها، إذا شاعت، ولا القضاء عليها إذا تأصلت، إلا أن يشاء الله تعالى.