كما أن من المقت أن لا يرجع المختلفون ــ عند التنازع ــ إلى العاصم من الفرقة والعداوة، وهو ما أرشد الله عز وجل إليه بقوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [سورة النساء: 59] ، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) [سورة النساء: 65] ، وإذا كانت القضايا المتنازع فيها مما لا نص فيه، فالأمر فيه سعة، وليس لأحد أن يحمل الآخر قسراً على اتباع فهمه واستنباطه، وإلا شنّع عليه، وسفه رأيهُ، وأطلق فيه لسانه، فهذا ليس من أخلاق الدعاة إلى الله تعالى، والواجب إحياء معاني الأخوة الإيمانية في النفوس، وإشاعة عواملها، والحرص عليها، ودوام تذكّر ما أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: (( إن الشيطان قيد يئس أن يعبده المصلون في الجزيرة العربية، ولكن في التحريش بينهم ) ) ( [1] ) .
والتحريش: الإغراء، وإيقاع الفتن بين الناس، وحمل بعضهم على بعض بإيقاع الفساد بينهم. انتهى من كلام ابن الأثير الجزري.
وينبغي الوقوف عند كلمة (المصلّون) فإن الحديث يعني: أن صلاة المصلين لم تحمل الشيطان على اليأس من الإيقاع بينهم، وحملهم على أن يبغي بعضهم على بعض، وهذا فيه إرشاد واضح لمن هو من أهل الصلاة، أن يحرس نفسه من نزعات الشيطان، وأن يحمي قلبه من مصايد الشيطان وأن يتذكر دائماً قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) [سورة الحجرات: 10] .
ومن أبرز معالم المؤمنين، أنهم يحافظون على الصلوات، وحريٌّ بهم أن يستفيدوا منها في كونها: (تنهى عن الفحشاء والمنكر) [سورة العنكبوت: 45] ، ومن أعظم الفحشاء والمنكر الاستطالة في عرض الرجل المسلم، وعند التنبّه إلى مقاصد الشيطان يستيقظ الإيمان في نفس العبد، ويسد منافذ الشيطان إلى نفسه: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) [سورة الأعراف: 201] .