ويزداد الأمر إعجازًا عندما نعلم أنّ الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - نشأ وترعرع أميًّا ويشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة: قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} (العنكبوت: 48 - 49) . وقد عاش - صلى الله عليه وآله وسلم - في مجتمعٍ تحيط به ظلمات ثلاث:
1 -ظلمة أميّة العصر: حيث إنّ الحضارات البشريّة كانت في حالة من الركود والتراجع الفكري والحضاري لأكثر من قرنين سابقين على زمن البعثة.
2 -ظلمة أميّة المجتمع: فلم يشهد المجتمع المكي وما حوله نهوضًا حضاريًا. وكانت الأميّة هي الظاهرة السائدة، ومعرفة الكتابة هي الشذوذ. ومن ينظر إلى بساطة بنيان الكعبة يدرك ذلك.
3 -ظلمة فقدان المعلم: فلم تعرف مكةُ المدارس.
كيف يمكن لبشر، بعد كل هذه الظلمات، أن يتكلم في فروع العلوم المختلفة، ثم هو لا يتناقض في مسألة واحدة، على الرغم من مضي 1400 سنة، وعلى الرغم من النهوض العلمي الهائل في العصور الأخيرة؟!
المقصود بعدم التناقض:
نُقل القرآن الكريم إلينا بالتواتر، أي أنّه قطعي الثبوت إلى الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وفي القرآن الكريم ألفاظ لا تحتمل أكثر من معنى، مثل قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 163) ؛ فكلمة {وَاحِدٌ} لا تحتمل أكثر من معنى، أي أنها قطعيّة الدلالة. وقد سمّى البعض ما يثبت بقرآن لا يحتمل أكثر من معنى حقيقة قرآنيّة. أما الحقيقة العلميّة فهي القانون الذي أثبته العلم وأقام عليه الأدلة القطعيّة.