الصفحة 166 من 317

أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا

ولما تردد الناس هل يقدمون على الروم مع كثرتهم أم يطلبون المدد من رسول الله صلى الله عليه وسلم شجعهم عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق بن رواحة .. فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه ...

إن أجلب الناس وشدو الرنة ... مالي أراك تكرهين الجنة ...

قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنة

وقال أيضًا:

يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت ...

وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت

يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا. ثم نزل فلما أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قتل [1] .

هذا غيض من فيض وقطرة من بحر وإلا فالناظر في سير معارك الصحابة يأخذه العجب إذا رأى شجاعتهم وإخلاصهم وقوة يقينهم وقوة ثباتهم وحبهم لله ورسوله وتفانيهم في نصر الإسلام وإذلال الكفر لا سيما إن كان يعيش في عصر مثل عصرنا المنكود فقد كانت الجيوش الإسلامية في عهد الصحابة تتلى فيها سورة الأنفال عند التلاقي وقد سمعنا بجيوش تدعي الإسلام تصاحبها المعازف في قتالها بل والعاهرات والخمارات لأجل هذا كان قصص الصحابة في معاركهم إذا سمعها أبناء هذا الجيل يعتبرونها ضربًا من الخيال. ولن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها تمسك بالكتاب والسنة وحب لهما وحب للآخرة أشد من حب الدنيا وتضحية وفداء وقوة إيمان وثبات على الحق واستخفاف بالباطل وأهله نسأل الله العلي العظيم العزيز الحكيم أن يحشرنا مع الصحابة وأن يدخلنا معهم جنة النعيم وأن يصلح حال هذه الأمة حتى يرتفع المسلمون وينخفض الكافرون والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

(1) انظر ابن هشلم 4/ 373 - 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت