الصفحة 11 من 317

فيهم رجلًا من أنورهم فسأل عنه فأعلمه أنه داود فقال كم عمره؟ قال ستون سنة قال وهبت له من عمري أربعين سنة وكان عمر آدم ألف سنة ورأى فيهم الأعمى والأبرص والمبتلى قال يا رب لم لا سويت بينهم؟ قال إني أحب أن أشكر فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين أتاه ملك الموت فقال إنه بقي من عمري أربعون سنة فقال إنك وهبتها لابنك داود فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته فلما مات آدم بقي أولاده بعده عشرة قرون على دين أبيهم دين الإسلام ثم كفروا بعد ذلك؛ وسبب كفرهم الغلو في حب الصالحين كما ذكر الله تعالى في قوله: 71: 23 (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) وذلك أن هؤلاء الخمسة قوم صالحون كانوا يأمرونهم وينهونهم فماتوا في شهر فخاف أصحابهم من نقص الدين بعدهم فصوروا صورة كل رجل في مجلسه لأجل التذكرة بأقوالهم وأعمالهم إذا رأوا صورهم ولم يعبدوهم ثم حدث قرن وآخر فعظموهم أشد من تعظيم من قبلهم ولم يعبدوهم ثم طال الزمان ومات أهل العلم فلما خلت الأرض من العلماء ألقى الشيطان في قلوب الجهال أن أولئك الصالحين ما صوروا صور مشائخهم إلا ليتستشفعوا بهم إلى الله فعبدوهم فلما فعلوا ذلك أرسل الله إليهم نوحًا عليه السلام ليردهم إلى دين آدم وذريته الذين مضوا قبل التبديل فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض وبارك الله فيهم وانتشروا في الأرض أممًا وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها ثم حدث الشرك فأرسل الله الرسل وما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولًا يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك كما قال تعالى: 16: 36 (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) وقال تعالى: 23: 44 (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ .. ) الآية [1] .

وبهذا يظهر أنه كلما احلولك الظلام وانحرفت الفطرة البشرية وطغى الشرك أرسل الله إلى البشر رسولًا يعيدهم إلى الفطرة، إلى توحيد الله ونبذ الشرك حتى كان آخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم. والجاهلية التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشنع الجاهليات؛ يقول أبو الحسن الندوي: (كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون، وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه فنسي نفسه ومصيره وفقد رشده وقوة التمييز بين الخير والشر والحسن والقبيح وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب فضلًا عن البيوت فضلًا عن البلاد وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة ولاذوا إلى الأديرة والكنائس والخلوات فرارًا بدينهم من الفتن وضنًا بأنفسهم أو رغبة إلى الدعة والهدوء وفرارًا من تكاليف الحياة وجدها وإخفاقًا في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة -ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا وعاونهم على إثمهم وعدوانهم وأكل أموال الناس بالباطل) [2] .

والمطلع على كتاب الله عز وجل الذي أنزله لكشف عوار الجاهلية وتصحيح عقائد الناس وأعمالهم يرى العجب العجاب من تخبطات الجاهلية في شتى جوانب الحياة. فالجاهلية لا تؤمن بوحدانية الله بل

(1) مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عبد الوهاب (ص10 - 11) .

(2) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي (ص37) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت