تطلق الجاهلية على الفترة التي سبقت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وتطلق الجاهلية على الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله سبجانه ورسوله وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك [1] .
وكل من اتصف بشيء من صفات الجاهلية الخبيثة ففيه شعبة من ذلك لقوله تعالى: (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ .. الآية) [2] . ولقوله صلى الله عليه وسلم -لأحد أصحابه لما عير الآخر بأنه ابن السوداء-"إنك امرؤ فيك جاهلية" [3] وهذا يدل على أن الجاهلية ليست فترة زمنية محدودة تنتهي ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بل كل من رفض الاهتداء بوحي الله ورفض الحكم بما أنزل الله فهو في جاهلية [4] . قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [5] .
والجاهلية طارئة على الفطرة البشرية فالأصل في الفطرة البشرية الاستسلام لله سبحانه ومعرفته والخضوع له ومحبته والانقياد له والخوف من سطوته. قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [6] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء [7] هل تحسون فيها من جدعاء .." [8] . وقال صلى الله عليه وسلم ذات يوم في خطبته ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا. كل مال نحلته عبدًا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا .. الحديث" [9] ."
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه أمثال الذر وأخذ عليهم العهود أن لا يشركوا به شيئًا كما قال تعالى(7: 172) (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج ورأى
(1) أنظر لسان العرب لابن منظور (11: 130) .
(2) آل عمران: 154.
(3) صحيح البخاري (1: 13) .
(4) أنظر جاهلية القرن العشرين لمحمد قطب (ص15) .
(5) المائدة: 50.
(6) الروم: 30.
(7) جمعاء أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها. انظر النهاية 1/ 296.
(8) صحيح البخاري (2: 97) .
(9) صحيح مسلم مع النووي (17: 197) .