الصفحة 81 من 761

وقال مرة أخرى: وإذا فرضنا محموما دامت عليه الحمى على قدر معلوم، وفرضناها تارة تقوى حتى يخرج بها عن حسه ويتكلم بما لا يدري، وفرضناها مرة أخرى تقوى ولا تخرجه عن حسه ويبقى على عقله ويتكلم بما يدري، فصار لهذه الحمى ثلاثة أحوال: قدرها المعلوم وقوتها المخرجة عن الحس وقوتها التي لا تخرج عن الحس، فكذا الأنوار في ذاته عليه الصلاة والسلام فإن كانت على القدر المعلوم فما كان من الكلام حينئذ فهو الحديث الذي ليس بقدسي، وإن سطعت الأنوار وشعلت في الذات حتى خرج بها عليه الصلاة والسلام عن حالته المعلومة، فما كان من الكلام حينئذ فهو كلام الله سبحانه وهذه كانت حالته عليه الصلاة والسلام عند نزول القرآن عليه، وإن سطعت الأنوار ولم تخرجه عن حالته عليه الصلاة والسلام فما كان من الكلام حينئذ قيل فيه حديث قدسي.

وقال مرة: إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وكان الكلام بغير اختياره فهو القرآن، وإن كان باختياره فإن سطعت حينئذ أنوار عارضة فهو الحديث القدسي، وإن كانت الأنوار الدائمة فهو الحديث الذي ليس بقدسي. ولأجل أن كلامه صلى الله عليه وسلم لا بد أن تكون معه أنوار الحق سبحانه كان جميع ما يتكلم به صلى الله عليه وسلم وحيا يوحى، وباختلاف أحوال الأنوار افترق إلى الأقسام الثلاثة والله أعلم.

فقلت: هذا كلام في غاية الحسن، ولكن ما الدليل على أن الحديث القدسي ليس من كلامه عز وجل؟ فقال رضي الله عنه: كلامه تعالى لا يخفى. فقلت: بكشف؟ فقال رضي الله عنه: بكشف وبغير كشف، وكل من له عقل وأنصت للقرآن ثم أنصت لغيره أدرك الفرق لا محالة، والصحابة رضي الله عنهم أعقل الناس وما تركوا دينهم الذي كانت عليه الآباء إلا بما وضح من كلامه تعالى، ولو لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما يشبه الأحاديث القدسية ما آمن من الناس أحد، ولكن الذي ظلت له الأعناق خاضعة هو القرآن العزيز الذي هو كلام الرب سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت