قال رضي الله عنه: وكذلك بين برزخ وبين ذوات المؤمنين في الدنيا خيوط هي نور إيمانهم، فيرى صاحب البصيرة خيط الإيمان أبيض صافيا مثل شعاع الشمس النافذ من منفذ ضيق، إذا ضربت الشمس في باب مثلا فإنك ترى فيه سلوكا وخيوطا من شعاعها خارقة إلى ما وراء الباب، كذلك يشاهد صاحب البصيرة في المؤمنين الأحياء خيطا خارجا من كل أحد مستمدا من رأسه، ولا يظهر له حتى يتجاوز مقدار شبر فوق الرأس، فيراه حينئذ ذاهبا في امتداد إلى مقر تلك الروح التي في ذلك المؤمن في البرزخ. وهو يختلف بحسب القسمة الأزلية، فمنهم من يرى فيه على هيئة الخيط كما سبق، ومنهم من يشاهد فيه أغلظ من ذلك على هيئة غلظ القصبة، ومنهم من يشاهد فيه أغلظ من ذلك على هيئة النخلة وهم الأكابر من الأولياء رضي الله عنهم. وكذلك يشاهد مثل هذه الخيوط بين ذوات الكفار وبين مقرهم في البرزخ، إلا أن خيوط الكفار لونها أزرق يضرب إلى سواد مثل نار الكبريت، وكل من شوهد فيه ذلك فهو علامة شقاوته والعياذ بالله. وهو مختلف أيضا كما سبق، فمنهم من يرى فيه رقيقا، ومنهم من يرى فيه غليظا مثل النخلة، على حسب تفاوتهم في الكفر، نسأل الله السلامة.
قال رضي الله عنه: وكم مرة أنتبه إلى ملاحي اليهود فأرى الخيوط خارجة من رؤوسهم، ثم تجتمع في الأفق صاعدة مثل الضبابة السوداء، وأرى فيهم خيوطا قليلة بيضاء صافية مشرقة، فأعلم بذلك أن أصحاب تلك الخيوط سينتقلون إلى دين النبي أي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وأنتبه إلى مدينة من مدن الإسلام فأرى الخيوط خارجة من رؤوسهم صافية مشرقة صاعدة إلى البرزخ، وقد يشاهد فيهم بعض الخيوط التي فيها زرقة وهي قليلة، وهي علامة شقاوة من شوهدت فيه كما سبق.
قلت: وهم المشار إليهم في الحديث:"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِلنَّاسِ ثُمَّ يَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا".