قال أبو حامد رضي الله عنه في كتابه المنقذ من الضلال: وهذه عادة ضعفاء العقول يعرفرن الحق بالرجال لا الرجال بالحق، والعاقل يقتدي بقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: لا تعرت الحق بالرجال، إعرف الحق تعرف أهله، فالعاقل يعرف الحق ثم ينظر في نفس القول، فإن كان حقا قبله سواء كان قائله محقا أو مبطلا إلى أن قال: وهذا الطبع هو الغالب على أكثر الخلق فمهما نسبت الكلام وأسندته إلى قائل حسن اعتقادهم فيه قبلوه وإن كان باطلا، وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه، وإن كان حقا وأبدا يعرفون الحق بالرجال وذلك غاية الضلال هذا كلامه رضي الله عنه.
وقد حماني الله تبارك وتعالى من أبي حامد رحمه الله بشيخنا رضي الله عنه، وذلك أني لما عزمت على رد هذه المسألة وإبطالها والإبانة عن سوء محالها، وقف على الشيخ رضي الله عنه فملأ قلبي بتعظيم أبي حامد رضي الله عنه وأجله في عيني وعظمه في نظري، حتى امتلأ باطني بذلك، حتى صارت ردوداتي تتوجه إلى المسألة ولم ينل أبا حامد منها شيء، بل لم يجر على لساني والحمد لله إلا تعظيمه واحترامه، فكان هذا عندي من أعظم بركات الشيخ رضي الله عنه.
ومن أكبر اعتنائه بنا حتى بعد الممات فرأيته رضي الله عنه، وقد علمت أنه ميت وأنا بين النائم واليقظان، فما زال يكلمني وأنا أكلمه وطال الأمر بيننا حتى خرجنا إلى أبي حامد الغزالي رحمه الله، فقال رضي الله عنه، إنه قطب وأمرني بتعظيمه جدا وقال لي رضي الله عنه: إن عليه لباسا ما رأيته أو ما دخل به علي إلا احتقرت نفسي، وإنه من الأولياء الكبار. ثم قال لي رضي الله عنه: إسمع لما أقوله لك اليوم وشبك أصابعه الكريمة في أصابعي وقال هذا عهد النبي أو شباك النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو ولي كبير، فتكلمت معه في شأنه فزادني شباكا آخر، على أنه ولي كبير.