أحدهما: أن يكون في العقوبة زجر ورعاية مصلحة في المستقبل فيحسن ذلك خيفة من فوات غرض في المستقبل، فإن لم يكن فيه مصلحة أصلا فالعقوبة على ما سبق قبيح، وإنما يحسن الأذى لفائدة ولا فائدة وما مضى فلا تدارك له فهو في غاية القبح.
الوجه الثاني: أن نقول إذا تأذى المجني عليه وانتقم واشتد غيظه فذلك الغيظ مؤلم وشفاء الغيظ مريح من الألم والألم بالجاني أليق، فهذا أيضا له وجه، وإن كان دليلا على نقصان عقل المجني عليه وغلبة الغيظ عليه، فأما إيجاب العقاب حيث لا تتعلق به مصلحة لأحد في علم الله ولا فيه دفع أذى عن المجني عليه ففي غاية القبح، فهذا أقوم من قول من يقول إن ترك العقاب في غالِة القبح والكل باطل واتباع لموجب الأوهام التي وقعت بتوهم الأغراض والله تعالى متقدس عنها، ولكنا أردنا مقابلة الفاسد بالفاسد ليتبين بذلك فساد خيالهم هذا كلام أبي حامد رضي الله عنه نقلته بطوله لحسنه ومزيد تحقيقه فأعجب غاية ممن يحمل كلامه على نقيضه، والله أعلم.
الوجه الثاني أن قول الحنفية: وعندنا لا يجوز العفو الخ يقال عليه إذا استحال العفو المذكور استحالته إما ذاتية وإما عرضية، أي وجبت بالغير، فإن قالوا إنها ذاتية لزمهم أن القدرة لا تتعلق به لاستحالته ولا بضده لوجوبه، وهي لا تتعلق لا بواجب ولا بمستحيل، وذلك تعليل يؤدي إلى التعطيل، وإن كانت استحالته عرضية وجبت بالغير يسألون عن هذا الغير، فإن قالوا هو ما سبق في العلم، فيقال لهم: هو لا ينافي الجواز في العفو المذكور نظرا لذاته، وإن قالوا هو ما اقتضته الحكمة فيقال لهم:
أولا َ: الحكمة راجعة إلى العلم والقدرة ولا نهاية لمتعلقهما فلا نهاية للحكمة فهل أحطتم بحكمة الله تعالى التي لا نهاية لها ومحال أن يحيطوا بها، وإن قالوا كما قال الخضر لموسى عليهما السلام: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور بنقرته من البحر، فيقال لهم: فالسكوت خير لكم لو كنتم تعلمون.