وسمعته رضي الله عنه يقول: فيما يقرب من خلق أولئك القوم في نظر ذلك الرجل، أن بعض العارفين مرَّ بموضع فتمنى أن تكون فيه مدينة يعبد فيها الله عز وجل، فأمر الله الملائكة فنزلوا في صورة بني آدم، وقال للمدينة كوني فكانت. فمر العارف بالموضع مرة أخرى فوجد المدينة وأهلها يعبدون الله تعالى، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. فبقيت المدينة وأهلها يعبدون الله فيها إلى أن مات ذلك العارف فرجع كل شيء إلى أصله. فالملائكة إلى مراكزهم، والمدينة رجعت إلى العدم المحض، حتى إن من مر عليها بعد وفاة ذلك العارف بساعة يقول: ما كانت هنا عمارة قط.
وبهذا سمعته يجيب عن كلام حكي له عن الحاتمي رضي الله عنه لم أتحققه الآن، لأن غيري حكاه له. فسمعته والله تعالى أعلم يقول: إن الحاتمي قال في بعض مشاهداته إنه رأى الجنة في كذا، يعني في غير موضعها.
فأجابه رضي الله عنه وأنا أسمع: فإن العارف لا أشرف عنده في الأمكنة ولا في الأزمنة من المكان الذي تحصل له فيه تلك المشاهدة، فيثيبه تعالى على تلك المشاهدة بأن يخلق تعالى جنة في جهة ذلك العارف، فيظن أنه رأى الجنة في غير موضعها، وإنما هو شيء آخر خلق له إثابة.
فكاد الذي حكى له كلام ابن العربي يطير فرحا حين سمع هذا الجواب، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول في تحقيق خلق أولئك القوم في نظر ذلك الرجل، فقال لي: انظر إلى هذا الهواء الذي بيني وبينك.
فقلت له: قد نظرت.
فأشار إلى محل أصبع منه، وقال لي: إن الله تعالى يأمر هذا المقدار أن يتسع حتى يكون مثل هذا الهواء الذي بيني وبينك، ثم يجعل تعالى فيه ألوانا عديدة أصفر وأحمر وأخضر وأسود، ويحجب الهواء الأول عن هذا الهواء الثاني وعن جميع ما فيه، ثم يأخذ جزءا من الهواء الأول ويحجبه عن الهواء الأول ويدخله في هذا الهواء الثاني ويريه العجائب والألوان التي فيه، ثم يرد ذلك الجزء إلى الهواء الأول ويذهب الهواء الثاني بجميع ما فيه.