قلت: وقد ظهرت لنا كرامة أخرى في هذا الفقيه من الشيخ رضي الله عنه، وذلك أن الفقيه المذكور كان شحيحا على الدنيا محبا لها كثيرا، وكان عنده منها ما شاء الله، وكان لا يولد له، فلما التقى مع الشيخ رضي الله عنه وألقى الله في قلبه محبته لم يزل رضي الله عنه يأمره بإخراج دنياه لله عز وجل، وجعلت نفس الفقيه تسمح بذلك وتجود وكان يتعجب منها، فإنه لم يكن يعهد منها ذلك. ثم شدد الشيخ رضي الله عنه عليه في إخراج ماله في وجوه الخير حتى كنا نرحمه ويقول القاصد منا إن الشيخ رضي الله عنه ثقل عليه كثيرا، والفقيه المذكور يفرح بذلك غاية الفرح، ونحن لا نعرف العاقبة والشيخ رضي الله عنه كان يعرفها، وذلك لأن الفقيه كان قد قرب أجله ودنت وفاته، فكان الشيخ رضي الله عنه يبني له القصور في الجنة، ويقدم له ماله بين يديه ونحن لا ندري. فلما كاد مال الفقيه المذكور يفنى، ولم يبق إلا مقدار ما ترثه زوجته وتأخذه في صداقها، توفي الفقيه المذكور رحمه الله. وهكذا فعل الشيخ رضي الله عنه مع صاحبه الجليل سيدي علي بن عبد الله الصباغي المتقدم في أول الكتاب، فإنه رضي الله عنه منذ عرفه ألح عليه في إخراج دنياه لله عز وجل، فلما فنيت دنياه توفي على أثرها وانقلب إلى ما عند الله عز وجل.
فانظر وفقك الله النفع الحاصل من معرفة أمثال الشيخ رضي الله عنه، والله أعلم.
وسمعته رضي الله عنه يقول: الفرق بين أخذ الولي صاحب التصرف متاع الناس وبين أخذ السارق واللص له الحجاب وعدمه، فالولي مشاهد لربه عز وجل مأمور من قبله بالأخذ، قال الله تعالى) وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي (.