الصفحة 379 من 761

وكنت أقول له كثيرا: يا سيدي ما غبن فيك أحد مثل ما غبن فيك علماء الظاهر، فإنهم لو خالطوك وجاروك في الكلام في أبواب العلم لاستنارت بصائرهم فيها وانزاحت عنهم الإشكالات التي فيها. وقد كان عندي كتاب التبصير لأبي المظفر الإسفرايني في اثنين وسبعين فرقة، فكان رضي الله عنه يقول لي: أذكر لي شبه أهل الأهواء وسلني عن عويصها، فما ذكرت له قط شبهة إلا حلها في أول جوابه، ثم ترقى إلى علوم ومعارف أخر.

وتكلمت معه رضي الله عنه في مرض موته في برهان القطع والتطبيق، فسمعت منه فيه أسرارا، وظفرت فيه بعلوم ما ذكرها قط علماء الكلام أبدا، ثم علمني رضي الله عنه توحيد الصوفية العارفين بالله، وقال لي: هذا الذي كانت عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

فقلت بعد أن علمت إشارته رضي الله عنه: يا سيدي، لو علم الناس هذا الحق في التوحيد ما افترقت الأمة إلى ثلاثة وسبعين فرقة. فقال: نعم، هو الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم في كتاب عند وفاته صلى الله عليه وسلم حتى لا تضل أمته من بعده أبدا.

ولنرجع إلى ما كنا بصدده فنقول: إني قلت للشيخ رضي الله عنه إن التخصيص في آية) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (الآية، بالرسول يخرج الولي، فالمعارضة باقية.

فقال رضي الله عنه: إنما يخرج غير الرسول، وأما الولي فإنه داخل في الآية مع الرسول. ثم ضرب مثالا، وكان الوقت وقت حراثة، فقال: لو أن كبيرا من الكبراء مثل سيدي فلان أراد الخروج لينظر إلى أرض حراثته، ويختبر الفلاحين الذين فيها، فإنه لا بد أن يخرج معه بعض غلمانه وأعز أصحابه عليه، فإذا بلغ إلى الموضع واطلع عليه وعلم ما فيه، فإن من يكون معه من الغلمان والأصحاب والأتباع ينالهم شيء من ذلك، فكذا الرسول لا بد له من عبيد وخدم وأحباب وأصحاب من أمته، فإذا اطلع الرسول على غيب أفلا ينال أصفياء أمته شيء من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت