الصفحة 367 من 761

فأجابني رضي الله عنه بما يقرب من هذا المعنى، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى أن يعفو وأن يصفح الصفح الجميل، وأن يعاشر بالتي هي أحسن ويدفع بها حتى قال) وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (. فكانت هذه عادته مع الخلق، فلما جاءه أهل النفاق واستأذنوه في التخلف وذكروا أعذارهم، أذن لهم في التخلف وهو يعلم نفاقهم للرحمة التي فيه، ولما أمره به من المعاشرة بالتي هي أحسن وحضه عليها في غير ما آية، فسلك معهم مسلك الظاهر، ثم تحدث في باطنه بنزول آية تفضحهم، وإنما منعه هو من أن يباشر فضيحتهم للرحمة التي فيه ووصية الله له، فتحدث في باطنه بفضيحتهم على وجه يبين كونها من الله لا منه للحياء الذي فيه صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تعالى) إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (، فأحب أن تنزل الآية في صورة العتاب له لتكون أبعد عن التهمة، وأدخل في محض النصيحة، وأزجر لهم عن الإشتغال بالنفاق مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى. فإن الله تعالى هو وكيله على من ينافقه وخصيمه وحجيجه، فتضمنت صورة هذا العتاب مصالح شتى، وفي الباطن لا عتاب وإنما ناب الحبيب عن حبيبه في المخاصمة لا غير.

قال: ولا ينبغي لأحد أن يظن بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يعلم الصادق من الكاذب من المعتذرين، وكيف يخفى ذلك عليه والمفتوح عليه في هذا الزمان يعلم الصادق والكاذب منهم في ذلك الزمان، وأهل الفتح أجمعون إنما نالوا ما نالوا بمحبته صلى الله عليه وسلم، فسقوا بمقدار شعرة من نوره صلى الله عليه وسلم، وقد سبق في"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"كيف كان علم النبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت