الصفحة 288 من 761

فالسريانية هي أصل اللغات بأسرها واللغات طارئة عليها، وسبب طروها عليها الجهل الذي عم بني آدم، وذلك لأن مبنى وضع السريانية وأصل التخاطب بها المعرفة الصافية التي لا جهل معها حتى تكون المعاني عند المتكلمين بها معروفة قبل التكلم فتكفي إشارة ما في إخطارها في ذهن السامع، فاتفقوا على أن أشاروا إلى المعاني بالحروف الهجائية تقريبا وقصدا إلى الإختصار لأن غرضهم الخوض في المعاني لا فيما يدل عليها، حتى إنه لو أمكنهم إحضارها بلا تلك الحروف ما وضعوها أصلا، ولهذا لا يقدر على التكلم بها إلا أهل الكشف الكبير ومن في معناهم من الأرواح التي خلقت عرافة دراكة، والملائكة الذين جبلوا على المعرفة، فإذا رأيتهم يتكلمون بها رأيتهم يشيرون بحرف أو بحرفين، أو بكلمة أو بكلمتين إلى ما يشير إليه غيرهم بكراسة أو كراستين.

إذا عرفت هذا علمت أنه لما عم بني آدم الجهل كان ذلك سببا في نقل الحروف عن معانيها التي وضعت لها أولا وجعلها مهملة، فاحتيج في أداء المعاني إلى ضم بعضها إلى بعض حتى يحصل منها مجموع يسمى كلمة، فيدل على معنى من المعاني الدائرة عند أهل ذلك الوضع، فضاع بسبب جهل معاني الحروف ومعرفة أسرارها علم عظيم، ومع ذلك فإن أخذت تلك الكلمة التي في تلك اللغة وأردت أن تفسر حروفها بما كانت عليه قبل الوضع والنقل، وجدت في الغالب حرفا منها يدل على المعنى الذي نقلت إليه لاتفاقه مع المنقول عنه، ووجدت باقي حروف تلك الكلمة يدل على معان أخر يعرفها السريانيون ويجهلها غيرهم. فالحائط مثلا وضع في لغة العرب للسور المحيط بدار أو نحوها، والحاء التي في أوله تدل على ذلك في لغة السريانية، والماء مثلا وضع في لغة العرب للعنصر المعروف، والهمزة التي في آخره تدل على ذلك، والسماء وضعت للجرم المعلوم، والسين التي في أوله تشير إلى ذلك، وهكذا من تأمل غالب الأسماء وجدها على هذا النمط ووجد غالب حروف الكلمة ضائعة بلا فائدة، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت