الصفحة 206 من 761

ثم قلت: هذه الأعمال الظاهرة المنقسمة إلى القسمين صاعدة من الأرض إلى السماء، والعسل والسمن في الرؤيا نازلان لا صاعدان، فكيف ساغ تفسيرهما بالأعمال المذكورة مع اختلافهما في النزول والصعود؟

فقال رضي الله عنه: الصعود والنزول إضافيان، فقد يكون الصعود عندنا نزولا عند غيرنا، فلعل روح الرائي كانت في السماء من الوجه الذي يقابلنا لا من الوجه الذي يقابل السماء الثانية، ولا شك أن أهل الوجه الذي يقابلنا رؤوسهم إلينا وأرجلهم على ذلك الوجه، وحيث كانت رؤوسهم إلينا فإنهم يرون الصاعد من الأرض إلى السماء نازلا عليهم. وأيضا فإن المقصود من الرؤيا أن يعلمها الرائي ويتبينها، فلو جعلت ظلة الإسلام في الأرض فوق رؤوسنا لحجب عن الرائي ما يصعد منها، فلأجل ذلك جعل الصعود نزولا، ففي النزول أيضا تأويل وتعبير لا أنه على حقيقته.

قال رضي الله عنه: والحبل الممدود من السماء إلى الأرض هو الإيمان الكامل، ولكن ليس كل إيمان كامل مرادا بل بشرط كونه في الأمراء الذين يقيمون حدود الشريعة على الكمال في أنفسهم وفي رعيتهم، لأن ذلك الحبل متصل بالظلة وهو السبب في إمطارها للسمن والعسل حتى نزل على الناس وتكففوه بين مستكثر ومستقل. ولا يكون الإيمان الكامل سببا في قبول أعمالهم وكثرة طاعاتهم وظهور الخيرات عليهم وصعودها مقبولة إلا إذا كان صاحبه يأخذ على أيدي المؤمنين، فينصر الضعيف ويرد القوي عنه، ويقيم حدود الشريعة على الكمال، فعند ذلك تكثر الخيرات في العباد وتقل منهم المعاصي، فلا يزنون ولا يسرقون ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق. وحينئذ فالأمة كلهم أخيار أبرار، والأمير بمنزلة من يشد للناس عمود الإسلام، ويمطر عليهم خيراته وبركاته، وهذه الحالة كانت في زمانه صلى الله عليه وسلم على الكمال.

قال رضي الله عنه: وأما الأمراء الثلاثة المذكورون في الرؤيا، فاختلف الأولياء العارفون فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت