قبل أن نتكلم في هذه القضية، نسأل أولًا: لماذا يرسل الله لرسل إلى البشرية؟ ولا نجيب من عند أنفسنا في هذا الأمر الخطير، فإنه لا ينبغي لأحد أن يجيب من عند نفسه في هذا الأمر، لأن الله سبحانه وتعالى قد تكفل من عنده بهذا، فقال في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} [النساء: 64] ... وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه ... وإن أظهر الإسلام، كان كافرًا مستوجب القتل.
وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته، ومن كان كذلك كان كافرًا مستوجب القتل ... وقد قال سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59] .
وقوله عز وجل: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} ، يدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر.
فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر ... فعدم التحاكم إلى شريعة الله خروج عن الإيمان مهما ادعى بعد ذلك مدعٍ أنه مؤمن، لأن الله عز وجل جعل هذا الرد من موجبات الإيمان، ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه.
وإذًا فالزعم في أمر هذا الإيمان لا يكفي، والتحاكم إلى شرع غير شرع الله هو الخروج من الإيمان إلى الكفر.
ولقد عاش ابن كثير المفسر المؤرخ المحدث أول محنة لمحاولة تنحية كتاب الله عن توجيه الأمة المسلمة لاستبداله بقانون جنكيزخان الذي أسماه"الياسا"أو"الياسق"أي السياسات الملكية فأطلق كلمته صريحة مدوية قائلًا: (فمن ترك الشرع المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة فقد كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا، وقدمها عليه، لا شك أن هذا يكفر بإجماع المسلمين) .
وهذا حق لا مراء فيه، فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزام شريعته هو الإسلام، ومن سوّغ الخروج عن شريعته صلى الله عليه وسلم إلى شريعة أخرى فإنه يكون هو ومن أطاعه في ذلك كافرًا بإجماع المسلمين ... ومن أصدر تشريعًا عامًا ملزمًا للناس يتعارض مع حكم الله فهذا يخرج من الملة كافرًا.
وقد بين القرآن ذلك أوضح بيان، وبين سبحانه وتعالى أن التحاكم إلى شريعة غير الله، والصد عن شريعة الله هو النفاق الذي لا يبقى معه إسلام، فقال سبحانه: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا} [النساء: 60] .
فالله عز وجل ينكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنة رسوله، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصمًا، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل نزلت في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية.
والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت.
وإذن فالإيمان لا يعدو أن يكون زعمًا إذا أراد صاحبه أن يتحاكم إلى الطاغوت ومن دُعي إلى التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله فصد عن رسوله كان منافقًا، يقول سبحانه وتعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون، إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} ، فبين سبحانه أن من تولى عن طاعة الرسول وأعرض عن حكمه فهو من المنافقين وليس بمؤمن، وأن المؤمن هو الذي يقول: سمعنا وأطعنا، فإذا كان النفاق يثبت ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره، مع أن هذا ترك محض، وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالنقص والسب ونحوه.
ويؤيد ذلك؛"أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه، فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى وقال: نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، فسأله عمر، فقال كذلك، فدخل عمر منزله، فخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} ."
فعمر رضي الله عنه عد هذا الرجل مرتدًا عن الإسلام لأن نفسه لم ترض بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجل بالطبع يشهد أن لا إله إلا الله، وإلا لما استوجب عند عمر القتل لأن القتل للمرتد الذي أسلم ثم ارتد، لا لمن لم يشهد ولم يدخل في الإسلام أصلًا" [5] ."
إذا عرف هذا، فإن بإمكاننا أن نقول: كل من رفض التحاكم إلى شريعة الله أو فضل أي تشريع على تشريع الله، أو أشرك مع شرع الله شرائع أخرى من وضع البشر، وكل من رضى أن يستبدل بشرع الله قانونًا آخر ... فقد خرج من حوزة هذا الدين وألقى ربقة الإسلام من عنقه، ورضي لنفسه أن يخرج من الملة كافرًا.
وحين نصل في حديثنا إلى هذه النقطة، يتصور قوم أننا مقدمون لا محالة على إصدار الحكم على الأجيال الحاضرة من الناس بالكفر، لأنهم لا يتحاكمون إلى شريعة الله، فيشعر القوم أنفسهم الخطر من هذه القضية كلها، فيسارعون إلى معارضتها من حيث المبدأ، خشية أن يجرهم إقرار المبدأ إلى إصدار الحكم ... ونحن نؤكد أن قضيتنا ليست هي إصدار الحكم على الناس، بل نحن نهدف إلى قضية أخرى ... أبعدًا كثيرًا، وأخطر في نظرنا كثيرًا من إصدار حكم على هذا الجيل من الناس.
فنحن نتكلم عن تأثير رفض شريعة الله، أو قبول شريعة غير الله على عقيدة المسلم، ونقول لكل مسلم: الحذر ... الحذر من قبول شرع غير شرع الله، أو رفض شرع الله لأن كلاهما مخرج من الملة، ولا نجاة للعبد من النار، ولا طريق له إلى الجنة إلا إذا مات لا يشرك بالله شيئًا كما قال صلى الله عليه وسلم: (من مات ولا يشرك بالله شيئا دخل الجنة) [رواه مسلم] ، وإذن فلا بد للعبد من قبول شرع الله ورفض شرع سواه للنجاة من الشرك، وثبوت حقيقة الإسلام، ودخول جنة الله في الآخرة.
ونحن في هذا الذي نقوله نحاول أن نقوم بالأمانة الملقاة على عاتقنا، وهي بيان الحق، فمهمتنا"البيان"، نحاول أن نبيّن لهم ما غاب عنهم من حقائق هذا الدين ... في غربة الإسلام الثانية.
[5] الصارم المسلول ابن تيمية.