عبر عصور الانحطاط التي مرت بها الأمة، كانت هناك زحزحة مطّردة لقضية الشريعة عن مكانها من التوحيد وأصول الاعتقاد، وتسببت جرثومة الإرجاء التي تسللت إلى الفكر الإسلامي في إفراغ التوحيد من حقيقته الأساسية حتى انتهى الأمر بأكثر المسلمين إلى أن تصبح قضية الشريعة التي يتحاكمون إليها قضية منفصلة عن عقيدة التوحيد، ولا يعدون المروق منها مروقًا من الدين، ولقد أتاح ذلك للعلمانية أن تتسلل إلى أرض الإسلام، وتُنَحِي شريعة الله عن مواقع الحكم والتشريع، بل وتجعل الحق في التشريع المطلق إلى البشر من دون الله مع إيهام المسلمين أن توحيدهم لا يتأثر بذلك!
ولذلك وجب علينا أن نبدأ ببيان حقيقة التوحيد الذي هو جوهر الإسلام وقضيته الكبرى، والذي هو أصل الدين الذي يتفرغ منه سائر نظمه وأحكامه ومناهجه.
وقبل أن نحاول بيان حقيقة التوحيد يحسن بنا النظر إلى الأمة التي بعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم ... كيف كانت تصوراتها؟ وكيف كان منهج حياتها؟ ذلك أن معرفة حالها هو خير معين لمعرفة العقيدة التي أنزلها الله لتصحيح هذه الحال.