الشرك هو أعظم الذنوب، بل هو الذنب الذي لا يغفره الله، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48، 116] ، فالله تعالى أخبر أنه لا يغفره لعبد لم يتب منه، وما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة، إن شاء غفره لمن لقيه به، وإن شاء عذبه به، وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله، لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم، وتنقص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، كما قال تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] .
فالشرك انقطاع ما بين العبد وبين الله، فلا يبقى معه أمل في المغفرة إذا خرج من هذه الدنيا وهو مشرك فيكون حاله كما صوره الله سبحانه: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} ، ولهذا كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تشرك بالله وإن قتلت وحرقت) [رواه أحمد والطبراني] .
ذلك أن للشرك آثاره الوبيلة في حياة الإنسان وفي آخرته، سواء كان الواقع فردًا أو جماعة.
والشرك أنواع ... الشرك الأكبر: وهو ينفي الإسلام بالكلية ... والشرك الأصغر: وهو أكبر من كبائر الذنوب.
والشرك الأكبر أنواع ... يتحدث الخطباء والوعاظ عن بعضها الذي لا يغضب ذوي السلطان ويهملون عن بعضها الآخر فالتوجه لغير الله بشتى ألوان العبادة كالدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة أو النذر أو الذبح شرك لا شك فيه. وما أكثر ما يتكلم الخطباء في هذا اللون من الشرك.
والظن بأن مع الله من يرزق أو يضر أو ينفع ... شرك لا شك فيه ... وما أكثر ما يتكلم فيه الخطباء.
والتشريع ... أي التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، والرضى بذلك التشريع شرك، لا شك فيه. ولكن الناس في قرنهم الأخير هذا قد جَهِلوا أو جُهِلُوا هذه الحقيقة الخطيرة ... فأما من وقفه الله فلن يغتر بدعاة الباطل، وعلماء السوء، وسيبقى على يقين أن الشرك في حقيقته ثلاثة أنواع رئيسية، كل واحد منها شرك، وكل منها ناقض"للا إله إلا الله":
الأول: يتعلق بالاعتقاد، وهو اعتقاد وجود آلهة تشارك الله سبحانه في النفع والضر، أو الإحياء والإماتة أو تدبير الأمر ... أو وجود شفعاء يملكون الشفاعة عند الله فيغيرون حكمه في السموات أو في الأرض.
الثاني: يتلعق بالعبادة، وهو توجيه أي مظهر من مظاهر العبادة لغير الله معه أو من دونه كالدعاء أو الاستغاثة أو النذر أو الذبح ...
والثالث: يتعلق بالتحليل والتحريم ... أي التشريع بغير ما أنزل الله، وإذن فليس عبدًا لله وحده من لا يعتقد بواحدانية الله سبحانه، قال تعالى: {وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين. إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} ، وليس عبدًا لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله معه أو من دونه قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 162، 163] ، وليس عبدًا لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الله، عن الطريق الذي بلّغنا الله به، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، وقال: {وما آتاكم الرسول فخذوا وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] .
وكما أن الاعتقاد بأنه ليس هناك إله، أو أن هناك آلهة مع الله، أو أن الإله هو الحجر أو القمر شرك وكفر يناقض"لا إله إلا الله"، وكما أن التوجه بالعبادة إلى غير الله شرك وكفر يناقض"لا إله إلا الله"... فكذلك قبول شريعة غير الله معه أو من دونه، والتحاكم إلى شريعة غير الله إلا مع الإكراه والإنكار باليد أو اللسان أو القلب كفر وشرك يناقض"لا إله إلا الله".
فالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} ، وفي قراءة ابن عامر من السبعة: {ولا تشرك في حكمه أحدًا} ، بصفة النهي، وقال في الإشراك في عبادته: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ، فالأمران سواء.
وقد قال عز وجل: {لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق، وإن الشياطين ليوحون إلى أولياهم ليجادلوكم، وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} .
ومعنى {إن أطعتموهم إنكم لمشركون} ؛ أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا شرك كقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} .
والذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك، ويتحرجون من هذه، ولا يتحرجون من تلك ... هؤلاء لا يقرأون القرآن، ولا يعرفون طبيعة هذا الدين، فليقرأوا القرآن كما أنزله الله، وليأخذوا قول الله بجد: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] .
فكما لا يسجد الخلق إلا لله، ولا يعبدون إلا إياه ولا يعبدون المخلوق فكذلك يجب أن يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلا لحكم الحَكَم الحكيم، العليم الحميد، الرؤوف الرحيم، دون حكم المخلوق، الظلوم الجهول.
وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، حين دخل عليه عديّ بن حاتم وهو صلى الله عليه وسلم يقرأ قول الله عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: 31] ، فقال: يا رسول الله، ما عبدوهم! فقال صلى الله عليه وسلم: (بلى ... إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم) .
فعديّ بن حاتم كان يتوهم أن العبادة هي الركن والسجود فحسب، لذلك قال: إنهم لم يعبدونهم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن له حقيقة الأمر كما علمه الله، بيّن له أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم، بغير ما أنزل الله، هي عبادة، ومن ثم فهي إشراك بالله ... إشراك بالله حتى ولو ظل الركوع والسجود يقدم لله وحده ولا يقدم لغيره.