لست ممن يؤمنون أن الإسلام يمكن أن يقوم له سلطان في الأرض بألف كتاب يُكتب عنه، ولا بالخطب والمواعظ ... وإنما لا بد مع الكتب والخطب والمواعظ من مسلمين صادقين يمثلون الإسلام في واقع حيّ متحرك ... واقع تراه العيون، وتلمسه الأيدي، وتلحظ آثاره العقول.
ثم إن هؤلاء المسلمين الصادقين لا بد لهم من العمل وبذل الجهد من المال والنفس والولد حتى يستطيعوا إخراج الأمة المسلمة من التبعية إلى الريادة ومن الاستضعاف إلى التمكين، ومن الفرقة والضعف إلى الائتلاف والقوة.
فإن قال قائل من المسلمين: ليس بيدي شيء لمواجهة الأنظمة العلمانية؟
قلنا: بل بيدك قوة عظيمة سمّاها الرسول صلى الله عليه وسلم"جهادًا"، وهي قوة الرفض بالقلب ... قال عليه الصلاة والسلام: (ما من نبّي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك الإيمان حبة خردل) [رواه مسلم] ، فجهاد الأنظمة العلمانية يبدأ من الرفض والكره بالقلب، والكره بالقلب ليس معناه أن يعتقد الإنسان في قرارة قلبه أن هذا منكر لا يرضى الله، ثم يكون سلوكه مع هذا المنكر بعد ذلك هو نفس سلوك الراضي به المقبل عليه.
بل لا بد من اعتزال باطل العلمانية وعدم مظاهرة القائمين عليه بالعمل ... وهذا يعني البراءة من كل منهج وتشريع يخالف شريعة الله، ومعاداة القائمين عليه، وعدم الاعتراف بشرعية أنظمتهم.
وإذا كانت الأنظمة العلمانية تستطيل علينا بانهزامنا أمامها، فلنجاهدها بتماسكنا، وإذا كانت الأنظمة العلمانية تحتاج في بقائها لمناصرتنا وموالاتنا، فلنسعى في إسقاطها بمنع النصرة والموالاة عنها ... وليكن موقفنا منها هو المعاداة والمقاطعة.
وليعلم المسلم أن المسؤولية عن الإسلام هي مسوؤلية كل من شهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، على اختلاف في الدرجات، باختلاف القدرات والمواقع والظروف، وليعلم أن الإسلام بحاجة لجهده وإن قل ... فلا يستسلم ولا يستكين ولا ينعزل داخل كيانه الفردي.
قال عز وجل: {وكأين من نبي قاتل معه ربّيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} [آل عمران: 146] .
وليوقن كل مسلم أن الباطل إذا لم تذيبه، فإنه يذيبك.
والإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا بعقيدة وتصور وقيم تخالف واقعه، وهو لا بد أن يسعى لتغيير الواقع المخالف لعقيدته وتصوره وقيمه، وإلا فإن استقرار الواقع المخالف لتصوراته وقيمه، يهدد هذه القيم وتلك التصورات بالتغيير ... وأكبر شاهد على ما نقول هو واقع المجتمعات عن التصور الإسلامي الصحيح ... بعد واقعها عن النظام الإسلامي للحياة ونُحّيت شريعة الله عن الحكم.
ثم إن هذه التنحية لشريعة الله وفصل الدين عن الحياة ... أخذ بدوره يبعدها عن الصور الإسلامي من جديد ... وهكذا ظلت المجمتعات الإسلامية تدور في هذه الحلقة المفرغة حتى أصبحت غريبة غربة كاملة عن الإسلام ... وظهرت فيها آلهة تمشي على الأرض ... زعماء وكبراء وقادة ... يزعمون لأنفسهم حق التشريع المطلق للشعوب ... يحلّون ما يشاؤون، ويحرّمون ما يشاؤون، ويعطلون من أحكام الله ما يشاؤون!
وبعد أن كانت قضية تفرد الله عز وجل بحق التشريع المطلق بديهية في عقل وحس كل مسلم، رأينا من علماء الضلال، وخطباء الفتنة من يُلَبّس على المسلمين هذه البديهية، ويطرح للبحث إمكانية إشراك الله عز وجل في التشريع والحكم مع القادة والحكام و ... إلى آخر هذه الدواب الحقيرة.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء) [رواه مسلم] ، ولقد بدأ الإسلام بدعوة التوحيد الخالص في وجه الشرك ... ولقد عاد الإسلام يواجه الشرك في صوره الجديدة ... بدعوة التوحيد الخالص من جديد.
فمن يا ترى أولئك الغرباء السعداء بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالحسنى؟ إنهم الذين يحملون راية التوحيد الخالص في وجه الشرك من جديد ... ليبدأوا الجولة الثانية كما بدأ أصحاب رسول الله الجولة الأولى.
إنهم الذين يحملون رسالة هذا الدين لكل البشرية بالنجاة من الشرك ... ليخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد.
وهذا هو القرآن حاضر ... وريح الجنة تفوح من بعيد ... لا ... بل من قريب.