فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 85

وغيرهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغائبة، كالدلالة على شي مسروق أو التعرف على مكان الضالة ونحوها أو الإخبار عن أمور تحدث في المستقبل، كمجئ المطر أو رجوع الغائب أو هبوب الرياح، ونحو ذلك مما استأثر الله عز وجل بعلمه، فلا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا من طريق الوحي وترابط الأسباب، كما قال الله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (الجن:27) . ... أما الأصل الثاني من أصول الضلال، والطاغوت الذي يعبد من دون الله، فهي عبودية الشيطان وما يبثه في قلب الإنسان من شبهات، فإبليس لما امتنع عن السجود لآدم، وتملكه العلو والاستكبار، وأظهر الاعتراض والاستنكار على رب العزة والجلال، حسدا وحقدا على آدم وذريته، كيف فضلهم الله بمنزلة أعلى من مكانته؟ لعنه الله وطرده من رحمته، وأيقن إبليس بهلاكه وشقوته، وأنه لا محالة ممنوع من جنته، (قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إلي يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (قَال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الذِي كَرَّمْتَ على لئِنْ أَخَّرْتَنِي إلي يَوْمِ القِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَليلا) ، (وَقَال لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا، وَلأُضِلنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَليُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَليُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَليًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا، أُوْلئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا) ، فكان من عدل الله أنه أمهله، (قَال فَإِنَّكَ مِنْ المُنْظَرِينَ، إلي يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ) فازداد الشيطان حقدا على الإنسان، وأكد أنه لن يسأم في إغوائه ودعوته إلي العصيان: (قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لهُمْ فِي الأرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ المُخْلصِينَ، قَال هَذَا صِرَاطٌ على مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي ليْسَ لكَ عَليْهِمْ سُلطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الغَاوِينَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لكُل بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) .

وقد بين الله أن سلطان الشيطان عن أولياء الله مرفوع، وأن كيده مدفوع، فلما نزل الخبيث إبليس وضع لنفسه عرشا على الماء، يشبه نفسه باستواء الله على عرشه في السماء، وجعل نفسه إلها لأتباعه من العصاة، وحبب إلي نفسه من جنسه أسوأ الدعاة، وجلس على عرشه ليبعث في الأرض سراياه، كما روي مسلم بسنده عَنْ جَابِر ٍبن عبد الله - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم يَقُولُ: (يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) ، وفي رواية أخرى قال صلي الله عليه وسلم: (إِنَّ عَرْشَ إِبْليسَ على البَحْرِ فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) وفي رواية ثالثة قال صلي الله عليه وسلم: (إِنَّ إِبْليسَ يَضَعُ عَرْشَهُ على المَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ فَعَلتُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا قَال ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ مَا تَرَكْتُهُ حتى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ قَال فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ) .

وانظر أيها المستمع البصير، وأمعن النظر ورتب التفكير، في عدل الله وحكمة التدبير، كيف أوجد الله في كل إنسان منا نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين، ليس لأحدهما غلبة على الآخر، نازع يدعوه إلي الطاعة وفعل الخير وهو نازع التقوى والرغبة في الآخرة بالطاعة والإيمان، وآخر يدعوه إلي المعصية وفعل الشر وهو نازع الهوى والرغبة في الدنيا بالمخالفة والعصيان، والإنسان حر بينهما في الاختيار، كما قال رب العزة والجلال:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) ومن هنا كان الأصل الأول من أبواب الضلال وأصول الطواغيت التي تعبد من دون الله، وهي عبودية الهوى وما يتعلق به من أصناف الدنيا وأنواع المشتهيات، فلما أذن الله للشيطان أيضا أن يوسوس للإنسان، واتفق الشيطان مع نازع الشر في الإنسان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت