فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 85

كلاهما يدعوان إلي الكفر والعصيان، كان الأصل الثاني من أبواب الضلال وأصول الطواغيت في الإنسان التي تعبد من دون الله عبادة الشيطان، كما ظهرت في الإنسان حكمة الله، وبلغ كمال العدل في الأشياء منتهاه، فجعل الله تركيب الإنسان على مستوي الكمال، ظاهرا وباطنا على قمة الاعتدال، فقال رب العزة والجلال: (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ، الذِي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) فكلف الله بكل إنسان ملكا قرينا، وأمره أن يلازمه ملازمة الشيطان للإنسان، لا يفارقه إلا إذا فارق الدنيا دار الامتحان، وأمره أيضا أن يدعوه إلي الخير ويحضه عليه، كما أن الشيطان يدعوه إلي الشر ويحضه عليه، فيستوي بذلك مقدار الدواعي في الإنسان، وتعتدل الكفتان في الميزان، ولا يكون لأحد من أهل الخسران حجة على الله يوم القيامة.

فالله كما هداه النجدين، وركب فيه نازعين نفسيين متقابلين ومتضادين، ليس لأحدهما غلبة على الآخر، وكل بالإنسان أيضا قرينين هاتفين مرغبين بلمتين، ليس لأحدهما سلطان على إرادة الإنسان، فبات مقدرا لكل منا بحكمة الله وعدل الميزان، قرينان داعيان، هاتفان مرغبان، إما في الخير وإما في الشر، ولم يستثن الله أحدا من ذلك حتى نبينا صلي الله عليه وسلم ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رَسُولُ الله قال: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلا وَقَدْ وُكِّل بهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُول الله، قَال: وَإِيَّايَ وَلكِنَّ الله أَعَانَنِي عَليْهِ فَلا يَامُرُنِي إِلا بِحَقٍّ) .

والله عز وجل أمرنا بأن نكفر بما يعبد من دون الله كشرك من شروط لا إِلهَ إِلا الله روي الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي مَالكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ أنه قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ يَقُولُ: مَنْ قَال لا إِلهَ إِلا اللهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ على اللهِ.

فأمرنا بألا يتبع الإنسان هواه وتخذ الهوى إله يعبد من دون الله، وأمرنا بألا نتبع الشيطان فإنه يدعو إلي الفسوق والعصيان، وأعظم دعواه أن يشرك الإنسان بالله، ولذلك حذرنا الله من الشرك كأعظم ذنب يقع فيه العبد، وأخذ العهد علينا والميثاق ألا نقع في هذا الظلم العظيم، فقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلي شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلكُنَا بِمَا فَعَل المُبْطِلُونَ وَكَذَلكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلعَلهُمْ يَرْجِعُونَ)

فالله عز وجل يخبرنا أنه أخذ العهد والميثاق الغليظ على الإنسان قبل بداية حياته ليقرره أنه مستخلف فقط، أمين في ملك الله للابتلاء والامتحان، ليعرفوا جميعا حق الله على العباد، وحق العباد على الله، فحق الله عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحقهم عليه ألا يعذبهم إذا فعلوا ذلك، أشهدهم على أنفسهم وسألهم جميعا ألست بربكم؟ قالوا بلي، إظهارا منه لما انفرد به من معاني الربوبية، وأنه منفرد بالخلق والأمر لا إله إلا هو ولا رب سواه، وهو وحده مالك الملك لأنه وحده خالق الكل، منفرد بإنشاء العالم وتركيبه على هذه الهيئة البديعة، فالله لن يقبل منهم أن يتخذوا شريكا له في خلقه أو منازعا له على ملكه، ولن يقبل المساس بتوحيده أبدا، فقال:

(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلكَ لمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ افْتَرَي إِثْمًا عَظِيمًا) فلكون الشرك ظلما عظيما، أخذ الله العهد والميثاق على الإنسان قبل نزوله إلي الأرض، فإن وسوس الشيطان للإنسان بأن الله له شريك في السماوات والأرض أو له معين في شيء من الخلق فقد وقع في الظلم العظيم وتجاوز حدوده، ولن يفلح وقتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت