إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل أَخْبَرَ مُوسَي بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي العِجْل فَلمْ يُلقِ الأَلوَاحَ، فَلمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلقَي الأَلوَاحَ فَانْكَسَرَتْ، وهذه المرتبة هي التي سألها إبراهيم الخليل ربه أن يريه كيف يحيي الموتي ليحصل له مع علم اليقين عين اليقين، فكان سؤاله زيادة لنفسه وطمأنينة لقلبه، فيسكن القلب عند المعاينة ويطمئن برؤية الحقيقية.
وفي حديث حارثة بن مالك الأنصارى أنه مر برسول الله صلي الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارثة قال أصبحت مؤمنا حقا قال انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك فقال عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلي عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلي أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلي أهل النار يتضاغون فيها فقال يا حارثة عرفت فالزم ثلاثا، ومن وصل الي هذا استلان ما يستوعره المترفون وأنس مما يشتوحش منه الجاهلون، ومن لم يثبت قدم يقينه على هذه الدرجة فهو ضعيف اليقين، وعلامة اليقين انشراح الصدر بذكر الله، وطمأنينة القلب لأمر الله، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت وظلمة القبور، وهذه هي الحالة التي كانت تحدث للصحابة الأخيار إذا ذكرهم النبي صلي الله عليه وسلم بالجنة أو النار، فقد روي الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ حَنْظَلةَ الأُسَيِّدِيِّ قَال:
لقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ الصديق فَقَال: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلةُ؟ قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلةُ، قَال سُبْحَانَ الله مَا تَقُولُ؟ قُلتُ نَافَقَ حَنْظَلةُ يا أبا بكر، نَكُونُ عِنْدَ رَسُول الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ، حتى كَأَنَّا رَايُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُول الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَال أَبُو بَكْرٍ: فَوَالله إِنَّا لنَلقَي مِثْل هَذَا، يقول حنظلة، فَانْطَلقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حتى دَخَلنَا على رَسُول الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ، قُلتُ: نَافَقَ حَنْظَلةُ يَا رَسُول الله فَقَال رَسُولُ الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلتُ: يَا رَسُول الله نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ حتى كَأَنَّا رَايُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَال رَسُولُ الله صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لوْ تَدُومُونَ على مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لصَافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ على فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلكِنْ يَا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلكِنْ يَا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَةً وَلكِنْ يَا حَنْظَلةُ سَاعَةً وَسَاعَةً.
ومعني ساعة وساعة، أي يتقلب في الأوقات بين منازل اليقين، فتارة في علم اليقين ليتابع حياته في البيع والشراء والسراء والضراء، وتارة في عين اليقين ينظر إلي ملكوت السماوات، ويعتبر بما فيها من حكم وآيات، وليس كما يفسرها الجاهلون فيقولون ساعة لقلبك وساعة لربك، ويقصدون ساعة للعصيان وساعة للطاعة والإيمان، وهذا باطل، لأن اليقين يرفع مقام المؤمنين، فمن ثمرات اليقين أن القلب إذا استيقن ما أخبر الله به من كرامة لأوليائه ومهانة لأعدائه، بحيث كأنه ينظر إلي ذلك من وراء حجاب، ويعلم أنه إذا زال هذا الحجاب، رأي ذلك يقينا عيانا، عند ذلك زالت عنه الوحشة التي يجدها المتخلفون، ولان له ما استوعره المترفون.
وأما الدرجة الثالثة لليقين: فهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الإدراك التام، فعلم اليقين كعلمك بوجود العسل، وعين اليقين رؤيتك له بالبصر، فتحملق فيه العينان، وحق اليقين إحساسك بمذاقه على اللسان، وقد قال النبي صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللهِ لوْ تَعْلمُونَ مَا أَعْلمُ، لضَحِكْتُمْ قَليلا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وفي رواية، وَمَا تَلذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ على الفُرُشَاتِ، وَلخَرَجْتُمْ إِلي الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلي اللهِ) .